أسيل جندي-القدس

لا يحلم ذوو الإعاقة في مدينة القدس بتوفير مراكز ترفيهية تناسب إعاقاتهم ولا بمتابعة حالاتهم من خلال أخصائيين اجتماعيين ونفسيين على مدار الساعة، بل إن أقصى ما يطمحون إليه هو ملاءمة منازلهم والطرق المؤدية إليها لطبيعة إعاقاتهم.

وتتميز البلدة القديمة في القدس بأزقتها الضيقة وكثرة السلالم المؤدية لمنازل المواطنين، ورغم ما تضفيه هذه التفاصيل من جمال وراحة بصرية، فإنها تؤثر بشكل سلبي على حياة أكثر من مئتي معاق حركيا في البلدة القديمة، بالإضافة لعدد كبير من المسنين وذوي الإعاقات الأخرى.

وكان رد بلدية الاحتلال على المبادرات الفردية التي تقدم بها سكان البلدة القديمة بشأن ضرورة ملاءمة الطرقات لاحتياجاتهم بأنه لا يُمكن تغيير ملامح القدس القديمة والعبث بها، مع العلم أن الحي المسمى بالحي اليهودي تم ترميمه بالكامل بما يتلاءم مع احتياجات ذوي الإعاقة.

شروط صعبة
وتشترط وزارة الصحة الإسرائيلية على المقدسيين في البلدة القديمة تقديم أوراق تُثبت ملكيتهم للمنازل لتُعطي موافقتها على تأهيلها مجانا بما يتناسب مع طبيعة الإعاقة، وفي ظل عدم توفر هذه الأوراق، لأن ملكية معظم عقارات القدس تعود إما للأوقاف الإسلامية وإما للدير اللوثري، يعيش ذوو الإعاقة سجناء داخل منازلهم.

المعاقة حركيا مفيدة مسودة لم تتمكن من مغادرة منزلها منذ 15 عاما (الجزيرة نت)

وقالت المقدسية عطاف الزير -وهي أم لفتاتين من ذوات الإعاقة- إن معاناتها بدأت قبل واحد وعشرين عاما عندما أنجبت ابنتها الكبرى رانيا التي تعرضت لنقص في الأكسجين أثناء الولادة مما خلف لديها إعاقة حركية صعبة، وبعد سنوات أنجبت ابنتها الكفيفة ياسمين لتتضاعف معاناتها.

ومنذ وفاة زوجها تضطر عطاف لحمل ابنتها المعاقة حركيا يوميا على أكتافها من حارة السعدية في البلدة القديمة حتى تصل لطريق الواد وتتمكن من وضعها على كرسيها المتحرك لتوصلها للسيارة التي تقلها لإحدى مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة في القدس الشرقية.

ثم تعود عطاف للمنزل لترافق ابنتها الكفيفة ياسمين لمدرستها في حي الشيخ جراح بالقدس. وتقول إن جلّ ما تتمناه هو مواءمة الطرقات المؤدية لمنازل المواطنين لذوي الإعاقة.

وليس بعيدا عن حارة السعدية، تعيش عائلة مسودة في عقبة الخالدية في البلدة القديمة التي قُدّر لها أن يكون أحد أفرادها من ذوي الإعاقة الحركية، وقالت أم أحمد إن ابنتها مفيدة (32 عاما) حبيسة في المنزل منذ خمسة عشر عاما، حيث يتعذر على الوالدين المسنين التحرك بابنتهما.

وتابعت "كانت ابنتي تتوجه لإحدى مدارس المعاقين في القدس، لكن بسبب صعوبة موقع منزلنا اضطررنا لسحبها من المدرسة وإبقائها بالبيت على مدار الساعة".

وعن الظروف القاسية التي تعيشها أم أحمد وابنتها، قالت إن هذه الأجواء تؤثر على نفسيتها ونفسية ابنتها بشكل كبير لكن لا حلول بالأفق، مشيرة إلى أنها لم تفكر يوما في ترك منزلها في البلدة القديمة بسبب إعاقة ابنتها لأنها تعيش فيه منذ خمسة وأربعين عاما. وأكدت أنه ليس من السهل التأقلم مع الحياة خارج الأسوار أبدا.

وجدان الفاخوري تكافح للحصول على دراجة خاصة تنقلها لمكان عملها (الجزيرة نت)

همة عالية
بدورها قالت منسقة الأنشطة الاجتماعية لذوي الإعاقة في نادي القدس وجدان الفاخوري إن بلدية الاحتلال رممت المسارات السياحية بالقدس القديمة بما يتلاءم مع احتياجات ذوي الإعاقة، حيث تم تعبيد الطرقات ووضع بلاط جديد بالإضافة للحديد المثبت بالجدران والأرض ليستعين به المارة من مسنين ومكفوفين، في حين تختفي كل هذه التفاصيل بمجرد الانعطاف نحو الأزقة المؤدية لمنازل المواطنين الفلسطينيين.

وأضافت للجزيرة نت أنها تعرضت لحادث حوّلها لمعاقة حركيا قبل أربع سنوات، وبقيت منذ ذلك الوقت تحارب من أجل توفير دراجة خاصة تساعدها على التحرك للخروج من وإلى مكان عملها.

واضطرت السيدة المقدسية لترك وظيفتها معلمة في رياض الأطفال ببلدة الطور بعد إصابتها لمكوثها سنوات حبيسة المنزل بسبب الإعاقة، وتعمل حاليا لصالح ذوي الإعاقة في البلدة القديمة وتحارب من أجل تحصيل حقوقهم الأساسية التي حُرموا منها ليس لشيء وإنما لكونهم فلسطينيين.

المصدر : الجزيرة