أسيل جندي-القدس

من شمال فلسطين إلى جنوبها، ومن سهولها وجبالها وسواحلها، تتوجه النساء الفلسطينيات إلى المسجد الأقصى المبارك لأداء الصلاة وقراءة القرآن، والاستماع للحلقات العلمية خلال شهر رمضان الفضيل.

وتجتمع معظم النساء في مصلى قبة الصخرة المشرفة على شكل حلقات، وبينما تجتاز النسوة القادمات من قطاع غزة حاجز إيريز للوصول إلى القدس، تضطر النساء القادمات من الضفة الغربية للمرور عبر أحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية للوصول للمسجد الأقصى، أما اللائي يأتين من الداخل الفلسطيني فيتوجهن للقدس بالحافلات بشكل جماعي أو بمركباتهن الشخصية مع عائلاتهن.

وتتجلى لُحمة الشعب الفلسطيني في مشاهد التفاف النسوة وتعارفهن إلى بعضهن البعض داخل القبة الذهبية، على اختلاف لهجاتهن وأعمارهن والزي المميز لكل منطقة، ففي تجمعهن تاريخ أرض وقصة شعب، ترويها تجاعيد وجوه شهدت ظلم المحتل وأصرت على الصمود وحماية المقدسات.

تحدي الحر
من إحدى التجمعات البدوية القريبة من مدينة أريحا في الضفة الغربية، قدمت المسنة السبعينية حليمة الجهّالين برفقة جاراتها، وتخطت حاجز الزيتونة العسكري شرق القدس باتجاه المسجد الأقصى. وقالت السيدة الفلسطينية للجزيرة نت إنها رغم الحر الشديد تصر على التوجه يوميا للصلاة في الأقصى خلال شهر رمضان، وذلك لأن سلطات الاحتلال تسمح لها بدخول القدس دون تصريح خلال هذا الشهر.

ربيحة جبارة من قرية ترمسعيا شرق رام الله أحضرت حفيداتها القادمات من الولايات المتحدة الأميركية إلى الأقصى (الجزيرة نت)

وأضافت أنها تحاول أداء ركعتين في كل مصلى من مصليات المسجد، لكنها تُفضل مكوث أكبر وقت ممكن في قبة الصخرة، حيث تجذبها الزخارف الإسلامية المميزة.

بدورها، حرصت ربيحة جبارة على إحضار حفيداتها القادمات من الولايات المتحدة الأميركية معها إلى الأقصى قادمين من قرية ترمسعيا شمال رام الله، وأكدت ضرورة إعمار المسجد بالمصلين طوال أيام العام وليس خلال شهر رمضان فقط.

وتابعت "رغم تقدمي في السن وشعوري بالتعب الشديد خلال الرحلة إلى المسجد الأقصى فإن كل ذلك يزول بمجرد دخولي واستنشاق هوائه المقدس".

وللفلسطينيين داخل الخط الأخضر حصة الأسد في التواجد داخل باحات المسجد الأقصى ومصلياته، فمن قرية كابول قضاء عكّا توجهت سميرة عوّاد وجاراتها للأقصى رغم الحر ومشقة الصيام.

وقالت للجزيرة نت إنها تحرص على التواجد في قبة الصخرة لأنها المكان الذي عرج منه الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم إلى السماء، حتى ارتبطت به بشكل روحاني وأصبح يصعب عليها الابتعاد عنه أو هجره أياما متتالية.

وأمام إحدى نوافذ مصلى القبة الذهبية تجتمع المقدسية أم نبيل برفقة عدد من نساء البلدة القديمة بالقدس المحتلة يوميا، مكونات حلقة لقراءة القرآن الكريم. وتقول إحداهن إن الحضور بشكل يومي للمكان نفسه والجلوس لتبادل الأحاديث المفيدة، وترديد دعاء ختم القرآن بصوت مرتفع وبشكل جماعي جعل لهن بصمة في المكان، حتى باتت حارسات المصلّى وسادناته تعرفهن باسم مجموعة "أم نبيل"، ويفتقدن غياب أي منهن عن الحلقة اليومية. 

الجزائرية نادية زويدي حضرت إلى الأقصى بجواز سفرها الفرنسي (الجزيرة نت)

تبريد القلوب
وتحت المظلات التي نُصبت في ساحات قبة الصخرة المشرفة، جلست سيدة سبعينية على كرسيها تُسبّح وتتأمل القبة الذهبية والزخارف التي زُيّن بها المصلى، إنها الجزائرية نادية زويدي التي أسعفها جواز سفرها الفرنسي لدخول القدس.

وقالت إن سبب زيارتها المدينة للمرة الثانية خلال عامين هو ضرورة مساندة الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس المحتلة ودعم صمودهم، وأردفت "جئت هنا لمدة أسبوع وأتوجه للأقصى لأداء الفروض الخمسة يوميا لعلّ دعواتنا الجماعية تصل عنان السماء وتُبرد قلوبا أنهكها الظلم والحزن والألم".

ومع انتهاء صلاة الظهر تتفرق النساء في باحات المسجد الأقصى؛ فمنهن من تمكث فيه حتى أداء صلاة العشاء والتراويح، ومنهن من تأخذ قسطا من الراحة في منزلها وتعود لتجديد الروحانيات في أطهر بقعة بفلسطين.

المصدر : الجزيرة