محمد أبو الفيلات-القدس

وأنت تسير في حارة السعدية، إحدى كبرى حارات القدس القديمة، تأخذك رائحة السمسم المطحون إلى معصرة طحينة الجبريني، التي تقع عند أول تفرع عقبة المولوية عن عقبة الشيخ ريحان، فتتسلل إليها عبر بابها الصغير لتجدها بقالة صغيرة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، بينما إذا استرقت النظر من الباب الداخلي ستجد معصرة كبيرة تنتج طحينية وزيت السمسم.

أول ما يقابلك بعد تخطيك البقالة، حجر دوار كبير يحوي فتحة دائرية في منتصفه، يوضع السمسم فيها فيقوم الحجر بطحنه لتخرج الطحينة اللذيذة وصاحبة الطعم المقدسي الفريد.

يبلغ عمر المعصرة المقدسية 140 عاما، لكنها ملك لعائلة الجبريني منذ ما يقارب مئة عام، كما يقول صاحب المعصرة زكريا الجبريني (خمسون عاما) للجزيرة نت.

مهنة متوارثة
ويضيف أنه ورث مهنته عن أبيه وبدأ بالعمل بها منذ أربعين عاما، وأصبح الآن من أشهر صانعي الطحينة في القدس، حيث يتردد عليه الزبائن من مختلف المدن الفلسطينية حتى أولئك الذين يسكنون في الضفة الغربية عندما يسمح الاحتلال لهم بدخول المدينة.

زكريا الجبريني يعد صاحب أقدم معصرة لصناعة الطحينة بالقدس (الجزيرة نت)

وتتميز الطحينة المصنوعة في بلدة القدس القديمة بأنها طبيعية 100%، ولا تضاف إليها أي مواد طبيعية أو كيميائية، إذ يقول الجبريني "طحينتنا تكون طحينة خاصة، فنحن لا نضيف إليها الطحين الذي تدعي بعض المعاصر أنه يرفع جودتها، ولا نضيف إليها المواد الكيميائية المبيضة".

وتمر الطحينة بعدة مراحل قبل أن تصبح سائلا لذيذا يستخدم في إعداد الكثير من الوجبات؛ تبدأ بنقع السمسم -الذي يعد المكون الأساسي والوحيد- في أحواض مليئة بالمياه ثم يوضع في آلة التقشير لفصل الحبوب عن القشور.

بعد تقشير السمسم في آلة خاصة، ينقل إلى حوض ماء مالح ذي نسبة تركيز عالية؛ ليفصل حبوب السمسم عن قشورها، حيث تطفو الحبوب على الماء المالح كونها خفيفة الوزن بينما القشور تغرق في الأسفل، فيقوم العاملون بجمع حبوب السمسم ووضعها في أكياس خاصة.

يكون السمسم بعد فصله عن قشوره، مختلطا بالملح مما يؤثر على طعمه، ولهذا تكون مهمة العاملين بالمعصرة غسل السمسم من الملح العالق فيه، فيفرغوا الأكياس في أحواض تحوي مياها عذبة، وبعد ذلك يُعبأ مجددا في أكياس خاصة، ثم يوضع في ماكينة التجفيف.

 تعمل ماكينة التجفيف على سحب المياه من السمسم حتى تسهل مهمة طحنه، لكن قبل نقله لمرحلة الطحن النهائية يوضع في آلة التحميص المصنوعة من الصاج، وتحوي يدا حديدية تعمل على تقليب السمسم حتى يصبح جافا وقاسيا قابلا للعصر.

بعد التحميص ينقل السمسم المحمص إلى حجر الطحن الكبير الذي يوضع السمسم في وسطه ويأخذ بالدوران فوقه حتى يخرج إلينا سائل الطحينة ويعبأ بالعلب الخاصة به.

منتج الطحينة في صورته النهائية بمكونات طبيعية (الجزيرة نت)

استخراج الزيت
أما لاستخراج زيت السمسم فيقوم صاحب المعصرة زكريا الجبريني بإضافة مراحل أخرى لمراحل صناعة الطحينة، حيث يحمص السمسم قبل طحنه مرتين: الأولى في آلة التحميص، أما الثانية فتكون في الفرن حتى يصبح لونه بنيا.

وبعد طحنه واستخراج الطحينة منه توضع في خلاط كبير ويضاف إليها القليل من الماء، الذي يلعب دورا في فصل زيت السمسم عن تفله فيصبح زيتا نقيا.

من جهته، يقول المقدسي أبو غسان بركات للجزيرة نت إنه يقوم منذ عشرات السنين بشراء الطحينة من معصرة الجبريني كونها المعصرة الأولى في البلدة القديمة، ويرى لهذا المنتج طعما خاصا، ويقول إنه متأكد من مكوناته الطبيعية.

وتعد معصرة الجبريني في حارة السعدية ومعصرة الصالحي في باب السلسلة الوحيدتين في بلدة القدس القديمة، وتحافظان على طرازهما القديم.

المصدر : الجزيرة