حلمي الأسمر

حلمي الأسمر

كاتب صحفي من الأردن

قرأت أخيرا مقالا بعنوان "بين الاستثمار والاستحمار" لكاتب يمني اسمه محمد حجر اليافعي، يقارن فيه بين من يعتمد في حياته على ما هو موجود في باطن الأرض، وبين من يستثمر باطن عقله، ومما جاء فيه ويلفت النظر على نحو خاص: "لا تحدثني عن ثروة أي بلد وأهله مشحونون بالحقد والعنصرية والمناطقية والجهل والحروب، نيجيريا من أكثر الدول غنى بالثروات والمعادن ومن أكبر دول العالم المصدرة للبترول، ولكن انظر إلى حالها ووضعها والسبب أن الإنسان فيها مشبع بالأحقاد العرقية ومحمل بالصراعات الطائفية، فيما سنغافورة البلد الذي بكى رئيسه ذات يوم لأنه رئيس بلد ليس فيه موارد.. يتقدم اليوم على اليابان في مستوى دخل الفرد، في عصرنا الحالي الشعوب المتخلفة فقط هي التي مازالت تنظر لباطن الأرض ما الذي ستخرجه كي تعيش.. في الوقت الذي أصبح الإنسان هو الاستثمار الناجح والأكثر ربحًا، هل فكرت وأنت تشتري تلفون جالكسي أو آيفون كم يحتاج هذا التلفون من الثروات الطبيعية، ستجده لا يكلف دولارات قليلة من الثروات الطبيعية..(غرامات بسيطة من المعادن وقطعة زجاج صغيرة وقليل من البلاستيك) ولكنك تشتريه بمئات الدولارات وتتجاوز قيمته عشرات براميل النفط والغاز!".
إن حقائق التاريخ والجغرافيا، كلها تقول إن أفقر بلاد الدنيا في العصر الغابر -وهي الجزيرة العربية- أنتجت أفضل العقول في التاريخ البشري كله، فهزمت في غضون ثلاثة عقود فقط أعتى إمبراطوريتين في التاريخ


الثروة الحقيقية

هذا أهم ما لفت نظري في المقال الجميل، وهو يفتح عيوننا على واقع بالغ الإيلام، ويجعلنا نعيد النظر في كل ما سلمنا به، ودرسناه في علم الثروة والاقتصاد، فالثروة الحقيقية هي العقل البشري، وكلما زاد اعتماده على ثروات الأرض، زادت تنبلته وبلاهته. إن حقائق التاريخ والجغرافيا كلها تقول إن أفقر بلاد الدنيا في العصر الغابر -وهي الجزيرة العربية- أنتجت أفضل العقول في التاريخ البشري كله، فهزمت في غضون ثلاثة عقود فقط، أعتى إمبراطوريتين في التاريخ، وبنت حضارة لم يزل العالم يقتات على كثير من خيراتها العلمية، ولم تزل بلادنا بسببها تخضع لعملية تآمر متوحشة، تستهدف إبقاءها في حالة من التمزق والتخلف والتحلل، كي لا تسترد أنفاسها وتقف على قدميها من جديد!

الدرس الأكبر الذي يتعين علينا أن نستفيده من كل هذا هو أن ثروتنا الحقيقية هي هويتنا الثقافية والحضارية الجامعة الهاضمة لكل مكوناتنا الدينية والعرقية والمذهبية، التي تطلق كوامن الإبداع، وتحولنا من أشتات متحاربة إلى مجتمع متصالح مع ذاته، في إطار دولة قانون وحقوق وواجبات. ولا يصلح شأن هذه الأمة ونحن أسرى حدود سايكس وبيكو، ومهما حاولنا البحث خارج هذا الإطار عن سبل للخلاص، فلن نجد مخرجا مما نحن فيه!

على النخب وصناع الرأي العام في بلاد العرب، أن لا ينسوا واجبهم في تعظيم شأن الهوية الجامعة، القادرة على إذابة الحدود ومشاعر التفرقة، لإطلاق العقل العربي من عقاله كي يتحرر أولا من عقدة ولعنة "النفط" التي كانت وبالا علينا، وتحولت إلى نقمة بدلا من أن تكون نعمة!

وإن أنس فلا أنسى ما قالته لي إحدى "صديقات" الفيسبوك من أنها قبل الحرب في اليمن لم تكن تدري أنها "زيدية" وثمة في الجعبة عشرات الأمثلة، في طول الوطن العربي وعرضه، تثبت أن تلك الطائفية اللعينة، لم تكن على الطاولة قبل أن يوقظها من أيقظها من شيوخ وساسة ومتآمرين ورجال استخبارات من صناع الفتن، لتوظيفها في حروبهم اللعينة.

لا يوجد عربي أو مسلم، مهما كان مذهبه أو عرقه، (أو حتى دينه إن لم يكن مسلما)، إلا وهو يتفاعل مع قضية القدس باعتبارها قضية أمة كاملة، وعنصرا أساسا من عناصر الهوية الجامعة 

كل ما يتعلق بالخلافات المذهبية والطائفية والدينية يعود تاريخه إلى زمن مضى غابر في أيام غابرة، وإيقاظها الآن في ذروة اشتعال حروب عبثية بينية مع ترك العدو الصهيوني الرئيس يسرح ويمرح وصفة للخراب والدمار الشامل.

مشهد كارثي
ما يزعجني في المشهد الكارثي، تلك الحرارة التي يتميز بها الخطاب الديني الصادر عن مشايخ ودعاة، يوقدون فيه نيران الفتنة بمنتهى الإخلاص، بوصفه تقربا إلى الله ودليلا على علو «التقوى»، هؤلاء من حيث يدرون أو لا يدرون هم أدوات طيعة في أيدي أعداء الأمة، يوظفون خطابهم المحموم لزيادة نيران الفتنة وسفك المزيد من الدماء، وهم يجلسون في ظلال مكيفات الهواء البارد. على هؤلاء أن يعلموا أنهم بتحريضهم "الورع" هذا يسهمون بشكل فاعل في تدمير الذات والانتحار الجماعي للأمة، عليهم أن يكفوا "ورعهم" هذا لأن النيران التي يوقدونها ستحرق أخضرهم قبل يابسهم، وهم تحديدا عنصر خطير وهام جدا في ديمومة إشعال هذه النار، لأن فتاواهم ومواعظهم التي ملأت فضاء الإنترنت يسهل تداولها ومشاركتها بكبسة زر.

نحن أمة واحدة، والعربية اللسان، ولا فضل لـ"مواطن" على آخر إلا بما يقدمه لوطنه، فلتخرس تلك الألسنة التي تنفخ في نيران الفتنة، ولا توجد قضية توحد الأمة وتطوي الخلاف وتطفئ نار الفرقة مثل قضية القدس، وما تتعرض له من تهويد وتغيير في معالمها، وتشويه لتاريخها، وتدنيس لمقدساتها، على أيدي أعداء الأمة من الصهاينة.

فلا يوجد عربي ولا مسلم مهما كان مذهبه أو عرقه (أو حتى دينه إن لم يكن مسلما) إلا وهو يتفاعل مع قضية القدس باعتبارها قضية أمة كاملة، وعنصرا أساسا من عناصر الهوية الجامعة، من هنا على من يريد لم شعث هذه الأمة وهي تعيش قمة تفتتها وتمزقها أن يوظف قضية القدس تحديدا في ترميم الوجدان الجمعي العربي والمسلم، كي يعود مرة أخرى للشعور بكونه جزءا من أمة واحدة، مهددة من عدو مشترك، خارج الأطر المذهبية والطائفية والعرقية!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك