محمد ذياب أبو صالح

محمد ذياب أبو صالح

عضو الهيئة الإسلامية العليا بالقدس الشريف

عاشت القدس في الضمير والوجدان العثماني طيلة حياة العثمانيين وما زال الأتراك العثمانيون يحنون إلى هذه المدينة المقدسة التي تحتضن أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين. وترك العثمانيون في المدينة إرثا حضاريا ما زال ماثلا للعيان.

لقد أدرك العثمانيون حجم التحدي والتوجه الصهيوني صوب المدينة بدعم من الدول الاستعمارية الحاقدة التي زرعت الكيان الصهيوني في قلب هذه المدينة المقدسة، فتوجهوا لتقديم الخدمات لها، ومن ذلك تشكيل المجلس البلدي الأول في القدس، وألحقها العثمانيون بسنجق إسطنبول مباشرة حتى يدفعوا عنها الخطر المحدق بها. وفي السطور التالية نعرج على وضع القدس في عهد السلطان عبد العزيز العثماني (1861م-1876م) مستعينين بمراجع عربية وعالمية.

تولى عبد العزيز العثماني الحكم بعد أخيه عبد المجيد الأول، وفي عهده تفجرت ثورة في جزيرة كريت وأخمدت عام 1283هـ/1863م وتم فتح قناة السويس عام 1285هـ/1869م

تولى عبد العزيز العثماني الحكم بعد أخيه عبد المجيد الأول، وفي عهده تفجرت ثورة في جزيرة كريت وأخمدت عام 1283هـ/1863م وتم فتح قناة السويس عام 1285هـ/1869م، وصدرت في عهده مجلة الأحكام العدلية وقانون التجارة البحرية، وزار أوروبا وفكّر في الاستفادة من خلاف الدول الأوروبية فيما بينها، لكنه وجد أنها تتفق جميعها ضد الدولة لأنها الدولة الإسلامية، غير أنهم كانوا يختلفون فيما بينهم حسب مصالحهم.

كانت بواكير عهد هذا السلطان التركي أن انفجرت الثورات ضد هذا النظام المترامي الأطراف، وبتشجيع من الدول الغربية، لإضعاف هذا الكيان والانقضاض والقضاء عليه. كما يلاحظ أن هذا السلطان، علاوة على انفتاحه على الغرب، بدأ في تطبيق القوانين الحديثة للحاجة إلى هذا النظام في هذه الفترة من تاريخ الأمة، ولإشعار الدول الغربية المتربصة به بأنه بدأ يميل إلى تحديث إدارته، لكن لم تتوان الدول الغربية عن النيل منه وملاحقته إلى أبعد الحدود.

زار السلطان العثماني الدول الأوروبية علّه يجد له فيها نصيراً ويستفيد من خلافاتها لتعزيز جانبه، بيد أنه وجد أن ملّة الكفر واحدة، إذ إن هذه الدول تتفق فيما بينها ضد هذه الدولة الإسلامية، مهما زادت الخلافات بينها.

كل هذه الأفكار التي حملها والمبادئ التي ارتسمت في ذاكرته لم تثنه عن السير في خطة والده وأخيه، وبدأ يطبق النظام الذي اختاره لبلاده، بيد أن المؤامرات والدسائس كانت أكبر مما يتوقع!

واصل السلطان عبد العزيز توجهاته الإصلاحية في بيت المقدس تحديداً، وأوصل القدس بالمدن المجاورة ومدها بشبكة من الطرق والمواصلات التي كانت متوفرة في عصره، وكان مما تم إنجازه في عصره في مدينة بيت المقدس أنه قام عام 1867م بإنشاء الطريق الموصل بين القدس ويافا، وفي عام 1870م تم إنشاء الطريق الموصل بين القدس ونابلس، إضافة إلى إدخال نظام الزّي الجديد، ألا وهو لبس الطربوش الذي نقله الأتراك عن اليونان، ولبسه أهل القدس كبقية أبناء الوطن التركي عامة.

بلدية القدس
تذكر مصادر تاريخية أن بلدية القدس تأسست عام 1857م، إلاّ أن المصادر المرجحة تفيد بأن بلدية القدس تأسست بين عامي 1863 م و1864 م، ويستدل من كتاب حاكم القدس العثماني إلى قنصل بروسيا في القدس أنها باشرت أعمالها بالفعل في عام 1867م أي في عهد السلطان عبد العزيز.

يستدل من كتاب حاكم القدس العثماني إلى قنصل بروسيا في القدس أن بلديتها باشرت أعمالها بالفعل في عام 1867 م أي في عهد السلطان عبد العزيز

كان إنشاء المجلس البلدي في القدس موضوع مراسلات بين السلطات العثمانية والقناصل الأجانب في القدس، الذين عارضوا فكرة إنشاء البلدية وأبدوا مخاوفهم من ذلك، على اعتبار أن هذا الإجراء سيعتدي على صلاحياتهم، وطالبوا بإشراك الرعايا الأجانب المقيمين في القدس في المجلس البلدي بحجة أنهم يدفعون ضرائب بلدية.

يستدل من ملفات بروسيا في القدس، أن بلدية القدس باشرت أعمالها رغم احتجاجات القناصل، وأن قراراتها كانت تنقل إلى تلك القنصلية وربما إلى قنصليات أخرى باللغتين العربية والتركية، ولم تصل أي مدينة في فلسطين إلى صنف المدن الكبيرة عند صدور القانون عام 1877م، وبذلك لم يتأسس في أي مدينة أكثر من دائرة بلدية واحدة، ومدينة القدس هي المدينة الوحيدة في فلسطين التي زاد عدد سكانها على عشرة آلاف نسمة في بداية القرن الثامن عشر.

تدل الدراسات المتوفرة على أن العائلات المتنفِّذة قد سيطرت على بلدية القدس، وتنافست على عضوية ورئاسة المجلس البلدي الذي تعاقب على رئاسته منذ عام 1863م حتى 1917م 23 رئيسا، وقد ترأسه سليم أفندي الحسيني لمدة ثمانية عشر عاما، وخلفه ولداه في رئاسته وكان رؤساء بلدية القدس حتى عام 1914م من عائلات الحسيني والخالدي والعلمي والدجاني.

هذه الفترة من العهد العثماني يجب لفت النظر إليها وإلى ما أفرزته من نتائج على وضع القدس بشكل خاص، ولا بد لنا من تثبيت ما قاله المؤرخ ألكسندر شولش عن هذه الفترة حيث أورد قائلا:

"إن كان ثمة مفترق طرق في تاريخ القدس في القرن التاسع عشر، فينبغي أن نراه في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإداري الحاسم الذي شهدته فلسطين كلها خلال تلك العقود تحت تأثير سياسة الإصلاح العثمانية والتغلغل الأوروبي، بيد أننا لو نظرنا إلى الوراء في ضوء التغييرات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، لظهر لنا أن سنة 1882م كانت أيضا نقطة تحول. إن الاحتلال البريطاني لمصر وبداية موجة الهجرات اليهودية الأولى، وكلاهما حدث سنة 1882م، كانا نقطتي البدء لخطين من التطور، الاستعمار البريطاني من جهة، والصهيونية من جهة أخرى، تحرك كل منهما في اتجاه الآخر والتقيا أخيرا خلال الحرب. وكانت النتيجتان صدور وعد بلفور (2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917م) ودخول أللنبي إلى القدس في ديسمبر/كانون الثاني 1917م". 

تولت بلدية القدس الحفاظ على النظام والقانون، وفي عام 1886م عينت مجلسا مؤلفا من أربعة عشر رجل شرطة، كان من ضمن واجباتهم القيام بجولات في شوارع القدس وساحاتها المفتوحة

وما أفرزته تلك الأحداث وما خلفته من عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها وضعت أساساتها من تلك اللحظة المظلمة في تاريخ هذه الأمة وكانت النتيجة ما نحيا وما نراه حتى يومنا هذا والقادم ربما يكون أعظم!

صلاحيات بلدية القدس
أعطي المجلس البلدي في مدينة القدس صلاحيات واسعة في حياة الناس اليومية وكان من وظائفه ما يلي:

1. فرض النظام أو القانون على المواطنين: فقد تولت بلدية القدس الحفاظ على النظام والقانون، وفي عام 1886م عينت مجلسا مؤلفا من أربعة عشر رجل شرطة، كان من ضمن واجباتهم القيام بجولات في شوارع القدس وساحاتها المفتوحة للسهر على رفاهية السكان والإشراف على النظام العام ونظافة المدينة، وكان رجال الشرطة يمنعون إطلاق النار في الليل، ويمنعون المرور في الليل في شوارع المدينة لا لمن كان يحمل قنديلا مضاء.

2. الإشراف التام على التعداد السكاني وتسجيل السكان والمواليد والوفيات والأجانب الذين كانوا يفدون إلى المدينة أو يعيشون تحت رعاية القنصليات الأجنبية.

3.  تنظيم حركة السير والمرور وتسهيل وسائل المواصلات وتنظيم رسوم الأحمال على الدواب.

4.  الإشراف على المؤسسات الاجتماعية الخاصة بنزل المعوزين والفقراء والمكفوفين وغيرهم.

5.   كانت البلدية تشرف على الطرق والأبنية العامة كالمستشفيات والمدارس والمساجد وغيرها.

6. الإشراف على الناحية الصحية داخل حدود البلدية كالنظافة ومعالجة المرضى، فقد عينت بلدية القدس طبيبا يعالج المرضى من أتباع جميع الديانات مجانا، ثلاث مرات في الأسبوع.

مشاركة أهل القدس في الإدارة العثمانية
شارك أبناء بيت المقدس في العديد من الوظائف البارزة في الحكم التركي، فكان لأبناء العديد من العائلات التي كانت تتولى رئاسة بلدية القدس أمثال عائلة الحسيني والخالدي وغيرهما، نصيب في استلام المراكز المختلفة في العهد التركي، حيث إن الحكومة التركية كانت تنظر إلى رعاياها على أنهم أبناء ملّة واحدة، فلم يحرموا من تسلم وظائف هامة في الدولة، كما أن هؤلاء الرعايا كان لديهم الشعور بأن الدولة التركية هي دولتهم الإسلامية السنية.

كان لأبناء العديد من العائلات التي كانت تتولى رئاسة بلدية القدس أمثال عائلة الحسيني والخالدي وغيرهما، نصيب في استلام المراكز المختلفة في العهد التركي

كان من الشخصيات المقدسية التي يلقى عليها الضوء في تولي مناصب في العهد العثماني المصلح يوسف الخالدي حيث تفتحت فيها عيناه على ما يحيق ببلده القدس من أطماع وما يحاك للخلافة الإسلامية من مؤامرات أجنبية، فحاول قدر المستطاع أن يقف أمام ريح التغيير القادمة على المنطقة وعمل ما في وسعه لتنبيه الناس إلى الأخطار المحدقة بقضيته، وأخذ ينشر أفكاره عله يجد من يسمعه حيث إنه سافر إلى خارج البلاد ونهل من معين العلم الحديث، وانتخب رئيسا لبلدية القدس وعضوا في مجلس المبعوثان العثماني.

تصدى يوسف الخالدي إلى الدفاع عن الدستور بحرارة ضد الإجراءات التعسفية للسلطان وأصبح يعرف بفضل شجاعته بوصفه أحد أقطاب المعارضة.

تنبه هذا المصلح إلى الخطر الصهيوني، حيث ناشد الصهاينة بواجب مقدس للضمير وباسم الله أن يتركوا فلسطين لأهلها الفلسطينيين الشرعيين وأن يبتعدوا عن المطالبة بالعيش فيها، ونبههم إلى أن أهل فلسطين لن يستكينوا إليهم، بيد أن الصهاينة واصلوا العمل في إقناع الحكومة العثمانية وقدموا الإغراءات المادية الهائلة للعثمانيين على أمل الوصل إلى مآربهم.

نسأل الله أن يعيد لهذه المدينة العربية الإسلامية كرامتها وعزتها وكنس الاحتلال الإسرائيلي عنها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك