*سمير جبريل
 

استهدف الاحتلال الإسرائيلي التعليم في مدينة القدس منذ احتلالها عام 1967 وحتى اليوم عبر إجراءات متواصلة أدت إلى حرمان الكثير من المقدسيين من التعليم. وكان الاستهداف في نواح مختلفة، منها العمل على تغيير المناهج التعليمية، والحد من بناء المدارس، مما أدى إلى نقص حاد في الغرف الصفية يزيد على 1200 غرفة صفية، وترتب على ذلك حرمان أعداد كبيرة من المقدسيين من التعليم. وتقدر نسبة التسرب بأكثر من 10%.

ويتسبب الجدار العازل في منع الكثير من المعلمين من الأحياء المحيطة بالقدس من الوصول إلى المدارس محل أعمالهم. كما أن الجدار حرم نسبة من الطلبة من الوصول إلى مدارسهم وصولا منتظما، بشكل يهدد إكمال مسيرتهم التعليمية بسبب كثرة الغياب.

وعلى صعيد آخر، تسبب عدم الاعتراف الإسرائيلي بالجامعات والكليات الفلسطينية بالقدس في حرمان الطلبة الذين أكملوا مسيرتهم التعليمية من العمل في القدس، وهذا ما يبعث الإحباط في نفوسهم.

ولأن الارتباط قوي بين التعليم والوضع الاقتصادي فإن الكثير من الطلبة يتركون مدارسهم للالتحاق بسوق العمل لمساعدة أسرهم التي تعيش دون خط الفقر. ووفق دراسة للأمم المتحدة في مايو/أيار 2013، فإن نسبة الأطفال الذين يعيشون تحت خط الفقر في مدينة القدس تقدر بـ82%.

أما الأصعب الذي يواجه المقدسيين فهو ظاهرة تفشي المخدرات التي يتم ترويجها أمام سلطات الاحتلال دون أي تدخل يذكر، إلا إذا حاول المروجون الوصول إلى الأحياء اليهودية. ويقدر عدد المتعاطين بأكثر من 29 ألفا، وهم في سن الشباب الذين خرجوا من التعليم والتحقوا بسوق العمل.

لذلك يعتبر التعليم السلاح الأهم في مواجهة هذه الظواهر، والمدرسة هي أفضل بيئة تحافظ على الأطفال وتحصنهم من الانحدار الأخلاقي من خلال التوجيه والإرشاد، إلا أن مدارس القدس لا تتبع إدارة وطنية واحدة، بل تعددت تبعياتها الإدارية مما يصعب الأمر.

أعداد المدارس والطلبة والشعب في مدارس القدس في

العام الدراسي 2013-2014 حسب التبعية الإدارية

 

الجهة المشرفة

عدد المدارس

عدد الشعب

عدد الطلبة

النسبة %

مدارس الأوقاف

42

512

11756

13.76

المدارس الخاصة

69

1020

25902

30.32

مدارس الوكالة

7

79

2011

2.35

مدارس البلدية

56

1337

38498

45.07

مدارس المقاولات

19

272

7259

8.50

المجموع

193

3220

85426

100.00

تعريف التبعيات الإدارية:

مدارس الأوقاف: تبعيتها الإدارية للسلطة الفلسطينية وتعمل تحت مظلة الأوقاف الأردنية.

المدارس الخاصة: تبعيتها الإدارية للكنائس والجمعيات الخيرية والأفراد.

مدارس الوكالة: تبعيتها الإدارية لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة "أونروا" (UNRWA).

مدارس البلدية: وهي مدارس المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال، وتبعيتها الإدارية لحكومة الاحتلال.

مدارس المقاولات: وهي مدارس يديرها أفراد نيابة عن إدارة المعارف الإسرائيلية، وفي تعاقد بين الأفراد والمعارف الإسرائيلية لفتح مدارس في مستويات بيئية مدرسية متدنية لسد العجز في الغرف الصفية، بسبب سياسة التمييز التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية خلال سنوات الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين باعتبارها سلطة احتلال تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهذا ما تكفله المواثيق الدولية.

إذ إن سلطات الاحتلال لم توفر لهم أبنية مدرسية بمواصفات المدارس في الأحياء اليهودية، ومنحت أفرادا رخصا ليقوموا بهذه المهمة مقابل تقديم تمويل عن الطلبة وفق عددهم، وتفتقر المدارس إلى الحد الأدنى من مواصفات الأمن والسلامة، ولا تخضع لأية رقابة، ومستوى التحصيل فيها متدن، والخطير في الأمر أن بين هذه المدارس من يدرس المنهاج الإسرائيلي بصورة كاملة، مثل مدرسة رينسانس التي تضم 404 طلاب وطالبات، ومدرسة إكسلانس التي تضم 134 طالبا وطالبة.


الجدار العازل
حرم الجدار العازل مئات الطلبة والمعلمين من حرية الحركة والوصول إلى مدارسهم، ولم يقتصر الحرمان على حملة هوية السلطة الفلسطينية فحسب، بل شمل كذلك حملة هوية القدس.
حيث يتعرض هؤلاء إلى الظروف نفسها التي يواجهها حامل هوية الضفة لدخول القدس، مما يجعل مئات الطلاب والمعلمين والعاملين في سلك التربية والتعليم وغيرهم يبدؤون يومهم قبل السادسة صباحًا، وهناك إحصاءات دقيقة عن ما يتعرض له طلبة ومعلمو مدارس الأوقاف على سبيل المثال.

 

أعداد ونسب الطلبة والعاملين في مدارس الأوقاف

الذين تأثروا  بالجدار عام 2012-2013

 

عدد الطلبة

عدد من يعبر الحواجز

النسبة المئوية

عدد المعلمين

عدد من يعبر الحواجز

النسبة

المئوية

8064

906

11.2%

551

179

32،4%

يبين الجدول الطلبة الذين يدخلون القدس يوميا من الأحياء الواقعة خارج جدار الفصل العنصري


ويمكن تلخيص أضرار الحواجز العسكرية الثابتة منها والمؤقتة في ما يلي:

1. تأخير وصول المعلمين إلى مدارسهم، مما يؤدي إلى تشويش العملية التعليمية وبالتالي التأثير السلبي على المسيرة التعليمية بأسرها, ويلحق ضررا على مستوى التحصيل لدى الطلبة الذين يتأخرون، ومن هنا يترك بعضهم المدارس.

2. توقيف المعلمين والطلبة على الحواجز وتعريضهم للتفتيش والانتظار، وذلك لساعات عدة في بعض الأحيان، أضف إلى ذلك الإهانة والصراخ والشتم، أو منعهم من دخول القدس أحيانا أخرى، مما يلحق بهم ضررا نفسيا يؤثر على حياتهم اليومية.

3. عدم انتظام الدوام يوميا بما يؤدي إلى تسرب الطلاب من مدارسهم.

على صعيد آخر، رفضت السلطات الإسرائيلية منح تصاريح الدخول لمعلمي القدس الذين يحملون هوية "دولة فلسطين" ويعملون في مدارس مدينة القدس، مما يؤدي إلى عرقلة سير العملية التعليمية.

4 . الجدار والحواجز تمنع المساعدات -التي تمنح لمدارس القدس من مناطق السلطة الفلسطينية- من أثاث وكتب وأغذية مدعمة بالفيتامينات.

5. الملاحقات الإسرائيلية للمدارس بالضرائب والمخالفات والغرامات، حيث تقدر ضرائب الأرنونا (المسقفات أو ضريبة البلدية) المفروضة على مدارس الأوقاف بـ28 دولارا، وهي تراكمية مع غرامات منذ العام 1967, فضلا عن مخالفات مفروضة على المدارس بحجة البناء غير المرخص.


معركة التعليم
وضع التعليم في القدس معقد ومتداخل بسبب السيطرة والاحتواء اللذين تنتهجهما الحكومات الإسرائيلية المتتابعة حيث تجاهلت حاجات السكان الفلسطينيين في مدينة محتلة لعقود ولم تستحدث أبنية مدرسية وفق الحاجة المطلوبة، رغم فرض سلطتها الإدارية والسياسية على المدينة منذ العام 1967، وسعيها للتوكيل أو التفويض (مدارس المقاولات) من دون وضع معايير تعليمية وتربوية ومتابعة حقيقية.

كما أن البنية التحتية غير ملائمة مع سيطرة إسرائيلية على تراخيص البناء، وتشديدها في إجراءات البناء، والعقوبات المشددة بالهدم أو المخالفة للبناء من دون ترخيص، بغض النظر عن ما إذا كانت مدارس أو مساكن.

تتدخل السلطات الإسرائيلية في كتب المنهاج الفلسطيني، وتحاول خلخلة الانتماء والهوية لدى الأطفال المقدسيين من خلال حذف كل ما يتعلق بالهوية والوطنية الفلسطينية وحق العودة، ومنع دخول الكتب الفلسطينية من رام الله إلى القدس، ومحاولاتها فرض المنهاج الإسرائيلي في خمس مدارس، وقد حققت اختراقا في ثلاث مدارس بما مجموعه 190 طالبا وطالبة من أصل 2700 طالب وطالبة (يشكلون 7% من مجموع طلبة المدارس الثلاث).

لكن على الرغم من كل التحديات، يبقى توجه وتطلع المقدسيين نحو ارتباطهم بشعبهم وأمتهم قويا, ومن المؤشرات على ذلك حرصهم على تعليم أبنائهم بإصرارهم على التعليم بالمنهاج العربي, ورفضهم أي منهاج آخر، وتعليمهم أبناءهم في بيوت سكنية تفتقر إلى مقومات البناء المدرسي, فأعداد المتقدمين لامتحان الثانوية العامة متزايد سنويا حيث يبلغ هذا العام (2013-2014) 3834 طالبا وطالبة.

كل هذا يؤكد حقيقة واحدة أن السياسات الإسرائيلية التي تسعى لتهجيرهم لن تحقق مبتغاها، ويستمد المقدسيون صمودهم من الإيمان بأن هناك نهاية لمعاناتهم. ويتطلعون إلى مساندة عربية أكبر لتخفيف المعاناة وإنقاذ الأجيال من مخططات التجهيل، إضافة إلى الجهود الخيّرة التي تصل بصورة وأخرى، إلا أنها غير كافية.
______________________
*مدير التربية والتعليم في رام الله

المصدر : الجزيرة