تعمل بعض العائلات الأرمنية بالقدس في صناعة الخزف، محافظة بذلك على إرث نقلته من وطنها إلى فلسطين في القرن الـ16، لكنها تواجه اليوم تحديا جديا مع وجود الخزف الصناعي المستورد بأسعار زهيدة.

محمد أبو الفيلات- القدس

اشتهر الأرمن منذ القدم بصناعة الخزف (السيرامك)، حتى باتت هذه الصناعة إرثا تناقلوه منذ مئات السنين، وأصبحت مصدر دخل للعديد من العائلات الأرمنية التي لجأت إلى مدينة القدس عام 1915 وأقامت فيها.

ففي عهد الانتداب البريطاني، وتحديدا عام 1920، استدعى الانتداب عائلة أرمنية من قرية كوتاهيا في أرمينيا، لترميم ما قد تكسر من قيشاني قبة الصخرة كما كان يجري من قبل، لكن هذه العائلة أحبت القدس وقررت المكوث فيها، وافتتحت أول مشغل للخزف وأسمته "خزف قبة الصخرة".

ومنذ ذلك الحين، تعمل بعض العائلات الأرمنية بهذه الصناعة، وبقيت منها خمس عائلات تعمل في هذه الصناعة، ولديها مشاغل في بلدة القدس القديمة ومحيطها، ومنها عائلة ليبدجيان، التي تمتلك أيضا محلا لبيع الخزف في الطريق المؤدية إلى دير الأرمن بالقرب من باب الخليل في البلدة القديمة من القدس.

الخزف الأرمني بالقدس ينافسه المستورد (الجزيرة)

استدعاء مبكر
يقول بيدروس ليبدجيان -وهو صاحب أحد محلات الخزف الأرمنية- إن الأرمن هم أول من بدأ صناعة الخزف في العالم، ولهذا تم استدعاؤهم في القرن الـ16 إلى القدس ليقوموا بصناعة خزف لتزيين قبة الصخرة، وكانت تتعاقب العائلات الأرمنية على القدس لإصلاح ما يتلف من خزف الصخرة كل عدة سنوات.

يجد ليبدجيان متعة خاصة في صناعة الخزف، فهو يعدّه فنا تراثيا، يستطيع من خلاله التعبير عن كثير من الأمور الدينية والتاريخية وحتى التصويرية؛ ففي رسوماته يبدو الاهتمام بالقدس وسكانها القدماء، وكيف كانت حياة المقدسيين في زمن الانتداب البريطاني.

تمر كل قطعة خزف قبل عرضها للبيع بعدة مراحل، ويستغرق صنع كل قطعة عشرة أيام، ويعد تشكيل الصلصال المرحلة الأولى من هذه الصناعة، ثم يوضع الصلصال المشكل في الفرن الخاص على درجة حرارة 1300 درجة مئوية وبعدها يترك ليبرد.

وبعد انخفاض درجة حرارة الصلصال يقوم بيدروس ليبدجيان بالرسم عليه بواسطة ألوان مائية، ثم يضعه في سائل يعطيه لمعانا ويحافظ على ألوانه.

يحرص ليبدجيان على إدخال التراث الأرمني في الرسومات حتى تلك التي لا تتحدث عن أرمينيا، حيث يقوم برسم قطوف العنب والرمان في أغلب رسوماته، لكن أكثر ما يقوم برسمه هو الزهور المنتشرة بشكل دائري على الخزف، فهي تدل -وفق ما يعتقد- على الحياة الأبدية بالجنة.

بدوره، يبين غسان بركان -وهو صاحب متجر لبيع المنتجات السياحية قرب باب الخليل المؤدي إلى القدس القديمة- أن الخزف يحتل مكان الصدارة بالنسبة للسياح؛ نظرا لجمال ودقة صناعته، فضلا عن وجود رموز للديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية.

خمس عائلات أرمنية مقدسية لديها مشاغل لصناعة الخزف في بلدة القدس القديمة (الجزيرة)

بضاعة الجميع
لكنه يشير هنا إلى حضور الخزف الفلسطيني المصنوع في مدينة الخليل جنوب الضفة، حيث يعرض في متجره المنتجين اللذين يلقيان رواجا بين السياح رغم ارتفاع الثمن مقارنة مع الخزف الصناعي.

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن شراء الخزف لا يقتصر على السياح فحسب، بل إن الفلسطينيين أيضا يقبلون على شرائه لاقتنائه أو إهدائه، مع حرص كل منهم على شراء المنتجات التي تحتوي على رمز الدين الذي يعتنقه، أو تلك التي تتضمن الأماكن السياحية ورسومات الورود والأشجار.

وتأثر سوق صناعة الخزف الأرمني في الفترة الأخيرة بسبب دخول المنافسة الصينية والتركية على فلسطين، حيث يقوم العديد من التجار باستيراد الخزف من تلك الدول بسعر زهيد، مما يؤثر على السوق الأرمني الذي ما زال محافظا على يدوية صناعاته.

المصدر : الجزيرة