دفن الشهداء المحتجزين لا يدفن ألم ذويهم
آخر تحديث: 2016/5/17 الساعة 15:10 (مكة المكرمة) الموافق 1437/8/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/5/17 الساعة 15:10 (مكة المكرمة) الموافق 1437/8/11 هـ

دفن الشهداء المحتجزين لا يدفن ألم ذويهم

والدة الشهيد معتز عويسات تجلس على سرير ابنها الذي استشهد قبل 200 يوم وتسلمت جثمانه الليلة الماضية (الجزيرة)
والدة الشهيد معتز عويسات تجلس على سرير ابنها الذي استشهد قبل 200 يوم وتسلمت جثمانه الليلة الماضية (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس

هل قضّ الصقيع مضجع جسد طفلي الشهيد في الثلاجة؟ هل يشعر الآن بالدفء والسعادة بعد دفنه؟ هل أحتاج لتقبُّل فكرة أنني أحب شخصا آخر أكثر من حبي لمعتز بعد استشهاده؟ سيل من الأسئلة العميقة يمخر مخيلة والدة الشهيد معتز عويسات، التي طبعت على جبينه القبلة الأخيرة قبيل دفنه منتصف الليلة الماضية بعد ثمانية أشهر من احتجاز جثمانه لدى الاحتلال الإسرائيلي.

لم تشعر والدة الشهيد معتز عويسات بالبرد مثلما نخر جسدها هذا الشتاء كبقية أمهات الشهداء الذين تجمدت أجساد أبنائهم في ثلاجات تبلغ برودتها ستين درجة مئوية تحت الصفر، فلم يكتف الاحتلال بإطلاق الرصاص على معتز وإنهاء حياته، بل حكم عليه أن يكمل فصل الخريف وينهي فصل الشتاء ويبدأ الربيع وهو محتجز في ثلاجته وحيدا بعيدا عن حضن والديه.

حَلم الفتى عويسات (16 عاما) بأن يصبح مخترعا عندما يكبُر، وتجول بين مكتبات القدس في طفولته باحثا عن كتاب يُعلمه كيف يخترع طائرة، لكنه رحل قبل اختراع طائرته، بل قبل أن يخوض تجربة ركوبها مسافرا.

اهتم معتز منذ صغره بتفاصيل الأشياء من حوله، كان يحب تصليح كل الأدوات والآلات المتضررة بالمنزل، وساعدته شخصيته الهادئة في ذلك، فاتخذ خطا مختلفا عن غيره من أبناء جيله، اهتم بالقراءة وكان يبحث في المكتبات دائما عن كتب تحمل في طياتها قصص اختراع ناجحة.

صورة للشهيد معتز في كتاب الخريجين بالصف السادس في مدرسته (الجزيرة)

لحظات الوداع
ارتجفت قدما والدته وتخبّط قلبها بعد إبلاغ مخابرات الاحتلال العائلة بنيتها تسليم جثمانه، فهي التي انتظرت أكثر من مئتي يوم هذه اللحظة لتهمس له بأن الحياة لم تعد كما كانت قبل رحيله، وأنها تحبه أكثر من نفسها، فهو أول من منحها لقب الأم، متمنية لو تعود الأيام للخلف وتمنعه من التوجه لمدرسته.

تردد معتز وشقيقاه في التوجه للمدرسة في ذلك اليوم، وفضّلوا البقاء بالمنزل بسبب تردي الأوضاع الأمنية بمدينة القدس، وانتهى الأمر بذهابهم وعودة شقيقي معتز سالمين، أما هو فكانت رصاصات الغدر أقرب من عودته سالما لمنزله.

ومع اقتراب بزوغ فجر هذا اليوم، غادرت عائلة الشهيد معتز عويسات مقبرة بلدة جبل المكبر تاركة خلفها جسد ابنها النحيل الذي بدأ يتحرر من صقيع ثلاجات الاحتلال تدريجيا، وليس بمسافة بعيدة وارت عائلة الشهيدة فدوى أبو طير جثمانها الثرى في مقبرة بلدة أم طوبا بعد قرار مخابرات الاحتلال تسليم جثمانها بالتزامن مع الفتى عويسات.

الشهيدة فدوى أبو طير قتلها الاحتلال في يوم المرأة العالمي (الجزيرة)

شهيدة يوم المرأة
الشهيدة فدوى أبو طير (51 عاما) اختارها جنود الاحتلال ضحية لهم في الثامن من مارس/آذار الماضي ليطلقوا عليها أربع رصاصات أردتها شهيدة بينما كان يحتفل العالم أجمع بيوم المرأة العالمي.

في ذلك الصباح احتست الشهيدة كأسا من الشاي، وأخبرت زوجها بنيتها التوجه للمسجد الأقصى المبارك لأداء صلاة الظهر فيه، وأثناء سيرها في طريق الواد قرب باب الحديد نادى عليها جنود الاحتلال، وكان ذنبها أنها لم تسمعهم ليسارعوا بإطلاق الرصاص عليها واتهامها بمحاولة تنفيذ عملية طعن.

أبو طير أمّ لخمسة من الأبناء وجدّة لثمانية أحفاد اعتادوا التردد على منزلها يوميا منذ استشهادها لإيمانهم بأنها ستعود لتحضنهم وتُربت على أكتافهم، لكنّ ذلك لم يعد سوى طيف يراودهم في المنام بعدما احتضنها الليلة تراب القدس للأبد.

اعتاد يوسف أبو طير زوج الشهيدة على تناول طعام الإفطار الذي تحضره زوجته على مدار 37 عاما، وواظب على تحضيره بنفسه منذ استشهادها، لكن مشاهد استلام الجثمان ومواراته القاسية عصفت بشهيته وبشهية كل العائلة عن تناول طعامهم هذا الصباح.

وتبقى العزيمة والصبر والأمل هي المفاتيح اليومية التي تساعد ذوي الشهداء المحتجزة جثامينهم على النهوض من فراشهم كلّ صباح لإكمال مسيرة حياتهم، بينما ستبقى أطياف وحكايات من دُفن منهم والتسعة الذين ما زالوا ينتظرون التحرر محفورة في ذاكرة ذويهم للأبد.

المصدر : الجزيرة

التعليقات