أسيل جندي-القدس

تحاول المرابطة المقدسية المبعدة عن المسجد الأقصى زينة عمرو أن تؤرشف في ذاكرتها تفاصيل مصليات المسجد وساحاته ومصاطبه التي اعتادت الصلاة والرباط فيها يوميا، فهي ليست روحانيات تمضي وتنتهي، ولا ذكرى تخبو وتنمحي من وجدانها.

ورغم الإبعاد عن الأقصى منذ عدة شهور، تواظب زينة عمرو (52 عاما) على التوجه إلى البلدة القديمة بالقدس للرباط مع غيرها من النساء المبعدات قرب أبواب المسجد، المكان الذي لم يمر في حياتهن مرور الكرام، بل استحوذت قدسيته تدريجيا على فكرهن حتى بات جزءا من حياتهن اليومية.

ارتبطت زينة بالأقصى منذ طفولتها، لكنها انضمت كمعلمة في حلقات العلم بالمسجد الأقصى في يونيو/حزيران 2011، وكانت من أوائل المعلمات اللواتي بدأن بتشكيل مصاطب العلم في المسجد.

ملاحقة
منذ اليوم الأول لانتشار حلقات العلم في الأقصى، بدأت سلطات الاحتلال إجراءات المضايقة اعتقادا منها أن الأمر يخرج عن سيطرتها، بعد أن توقعت استمرار مخططات التهويد دون منغصات، وبالتالي شكّل إقبال النساء بكثرة على حلقات العلم عثرة أمام المضي بها.

مرابطات مبعدات عن المسجد الأقصى يرابطن على باب حطة المؤدي إلى المسجد (الجزيرة)

استشعرت النساء من خلال الرباط حقيقة الخطر اليومي الذي يحيط بالأقصى، بدءا بفتح باب المغاربة في تمام السابعة والنصف صباحا لتدفق المستوطنين المقتحمين، مرورا بسماع ما يدور من أحاديث بين المتطرفين حول مخططاتهم المنوي تنفيذها داخل ساحات الأقصى، كالتقسيم وبناء كنيس في مكان معين، بالإشارة إلى أن بعض الحجارة تلمودية وتعود إلى عهد الهيكل المزعوم. وهكذا بدأت النساء يعين أهمية دورهن في عدم الصمت أمام هذه الاقتحامات ورفضها بإعلاء صيحات "الله أكبر".

ومن هنا بدأت شرطة الاحتلال بالتضييق على المرابطات على أبواب الأقصى بالتقاط صور لهن وتهديدهن بها، ومحاولة محاصرتهن بالتواجد العسكري المكثف، لتباشر بعدها باتخاذ إجراءات قمعية ضدهن بالاعتقال وتقديمهن للمحاكمة وإصدار أوامر بالإبعاد عن الأقصى، والتي كانت تصدر على مستوى قيادة الشرطة في ساحات المسجد.

كان الاستهداف الأول للمرابطة زينة عمرو يوم 16 أبريل/نيسان 2012 باعتقالها من عند أبواب الأقصى، والتهمة الجاهزة عرقلة سير زيارات غير المسلمين للمسجد، والتحريض، وتعريض حياة المقتحمين للخطر، إلا أنها ترفض التهم الموجهة لها كما ترفض التوقيع على قرار الإبعاد.

لم تتنحَّ المرابطة جانبا، بل واصلت طريقها في الرباط على الأبواب مما جعلها عرضة لاعتداء وحشي في نفس التاريخ بعد عامين، أدى إلى كسور في الفك والأسنان ورضوض بكافة أنحاء الجسم.

واستمر الاستهداف بفتح ملف أمني للمرابطة المقدسية لدى شرطة الاحتلال التي بدأت في تلك الفترة بإصدار قرارات إبعاد احترازية قبيل موسم الأعياد اليهودية، استهدفت بها النساء الناشطات في الدفاع عن الأقصى، حيث تم استدعاؤهن وتسليمهن أوامر بالإبعاد، وكان آخرها صدر بحق زينة عمرو قبل ستة أشهر ولمدة غير معلومة.

أدرِجت زينة عمرو على قائمة المبعدات عن الأقصى، وتم تعميم اسمها وصورها على أفراد الشرطة المتمركزة عند الأبواب، أسوة بباقي المبعدات وعددهن نحو خمسين امرأة.

المرابطة زينة عمرو وزوجها الدكتور جمال عمرو ممنوعان من السفر (الجزيرة نت)

منع السفر
كما منعت المحفّظة المقدسية وزوجها المختص في شؤون القدس جمال عمرو من السفر قبل أشهر، بحجة أنهما يقابلان شخصيات محظورة في الخارج، ويحرضان على "دولة إسرائيل".

وهنا تقول زينة معلقة إن "هذا أمر مضحك، فلا أدري ما هي الدولة التي تشكل فيها حرية التنقل لإنسان خطرا على أمنها، لكننا لا نكترث لذلك وسنصمد في وجه هذه الملاحقات النازية".

لم يتوقف الأمر عند حد ملاحقة عائلة زينة عمرو، بل أصدرت سلطات الاحتلال عام 2014 قرارا بهدم منزلها.

رغم كل المضايقات تجزم السيدة المقدسية بأن "كل هذه الإجراءات ما زادتنا إلا قوة وصلابة وتمسكا بحقنا في الأقصى". وتضيف أن الذي لم يجرب الرباط في الأقصى ولم يعطه الوقت الكافي من حياته لا يمكنه الشعور بما يعانيه المبعدون عنه قسرا، وتابعت "الأقصى أقرب إليّ من أبنائي وزوجي وبيتي، فهو أهم شيء في حياتي..".

وتشبه زينة عمرو نفسها في البعد عن المسجد الأقصى كالأم التي تحرم من طفلها، وتتمنى لو أنها طائر لتحلق فوقه ولا تضطر لأخذ إذن من المحتل لتجوب ساحاته وتصلي في جنباته.

المصدر : الجزيرة