حوار/محمد محسن وتد-القدس

وجدت المؤسسات الفلسطينية المقدسية ذاتها في عين العاصفة الإسرائيلية بتجفيف مصادر التمويل وباتت مطاردة ومحاصرة ومهددة بالإغلاق. بموازاة ذلك، يستمر صمت المجتمع الدولي والتنكر لقرارات الأمم المتحدة، وغياب دور فاعل للعالمين العربي والإسلامي بإغاثة وتعزيز صمود المقدسيين.

في الحوار التالي مع مدير مركز القدس للتنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري نسلط الضوء على عمل المنظمات الأهلية المقدسية والتحديات التي تواجهها: 

  بداية أستاذ زياد الحموري، كيف تبلور مشروع العمل الخيري في القدس؟

المشروع الخيري عمره طويل وانطلق قبل الاحتلال، كانت هناك جمعيات خيرية سواء على الصعيد الإنساني أو على صعيد جمعيات أخرى لعبت دورا كبيرا بمختلف الفترات، على سبيل المثال مدرسة دار الطفل -التي أقيمت بعد النكبة عام 1948- جزء كبير من طلابها وطالباتها كانوا من الأيتام الفلسطينيين بعد الحرب، لذا فالعمل الخيري له جذور عميقة في القدس، وبفلسطين بشكل عام.

 تحديدا بالقدس وبعد الاحتلال، ما الدوافع والأسباب لانطلاق هذه الفعاليات؟

بعد الاحتلال، بطبيعة الحال تبلور العمل والنشاط للتصدي للانتهاكات الإسرائيلية، فإلى جانب العمل الخيري هناك الكثير من الجمعيات المتواجدة والناشطة تبرز الانتهاكات الإسرائيلية كون مقاومة الاحتلال والتصدي للمخططات الإسرائيلية بقيا محدودين، بالتالي جزء كبير من عمل المؤسسات الفاعلة هو محاولة إبراز الانتهاكات الحاصلة.

 عدا عن ذلك، ما طبيعة عمل الجمعيات بالحياة المقدسية اليومية؟

جزء كبير من الجمعيات تقدم الخدمات القانونية ضمن المتاح، صحيح أن هذه المؤسسات تتوجه للمحاكم الإسرائيلية لكن اللوائح والقوانين الخاصة بهذه الجمعيات لا تعترف بالاحتلال الإسرائيلي ولا بضم القدس، لكنها تستعمل الوسائل والثغرات في القانون الإسرائيلي لمساعدة الناس على البقاء.

هناك شعور كبير لدى المواطن المقدسي بأن الهجمة التي تشن عليه بغرض تصفية وجوده، وبالتالي هذه الجمعيات تحاول أن تستعين بالقوانين الإسرائيلية للحفاظ على الوجود الفلسطيني.

الاحتلال يلاحق مصادر تمويل الجمعيات المقدسية ويقيد عملها (الجزيرة نت)

 نلاحظ عملا ونشاطا للكثير من الجمعيات، إلى أي مدى يسهم ذلك في تحقيق أهداف تعزيز الصمود؟

معظم الجمعيات الحقوقية التي تتعامل بالقانون -ومن خلال تجربتنا على مدار عقود- استطاعت إبراز الكثير من الانتهاكات، وأوقفت الكثير من الإجراءات وكشفت عن المشاكل المخيفة، خاصة في موضوع الضرائب.

نحن في الجمعية كنا ومنذ سنوات ندرك أهمية وخطورة استعمال الضرائب على مستقبل المقدسيين، واليوم نلمس نتائج هذه الضرائب وكيف تستعمل وتوظف ضد الوجود الفلسطيني، خاصة كل ما يتعلق بضريبة البلدية و"الأرنونا" (ضريبة المسقفات) التي حذرنا من تبعاتها، واستعمالها أداة من أدوات الاستيلاء على العقارات الفلسطينية.

واليوم فعلا نرى وباسم المحاكم كيف يتم وضع قيّمين على أصحاب البيوت بالقدس ممن يجدون صعوبة في جدولة وتسديد الديون والضرائب للبلدية، وبالتالي هؤلاء يضعون اليد على عقارات جزء كبير من المقدسيين أصحاب الديون، وهذه الوسيلة استعملت عقب النكبة للاستيلاء على عقارات الفلسطينيين بالداخل.

لدينا محدودية بالدفاع عن هذه القضايا، فالقانون ليس معنا، ولم يشرع أصلا لإنصافنا، حتى عندما تمت عملية ضم القدس طبقت علينا القوانين الإسرائيلية دون مراعاة وضعنا الاقتصادي والاجتماعي، ومن الواضح جدا أن هذه الأدوات سياسية بامتياز وليست لها أي علاقة بالقانون والضرائب.

 وما هي المعيقات والتحديات التي تواجه الفعاليات الخيرية بالقدس؟

دون أدنى شك فإن الاحتلال هو المعيق الأساسي، فعلى سبيل المثال فإن نافذة المؤسسات والجمعيات القانونية التي تعنى بالقضايا الحقوقية هي المحاكم الإسرائيلية، وجزء كبير من القضايا تناقش هناك، وبالنسبة للبناء غير المرخص -مثلا- لا توجد جمعية تمكنت من حل المشكلة من جذورها لكن كسبنا الوقت ونجحنا في تأجيل أو تعطيل الهدم والإخلاء وهذا لا يحل المشاكل.

في نهاية المطاف نتحدث عن قضية سياسية وليست قانونية، ما أريد قوله إن الجمعيات بمثل هذه الملفات تستعمل مخدر آلام، وهذا ما نحاول استعماله في القدس.

دعم المنظمات اليهودية وحكومة الاحتلال للبؤر الاستيطانية والمستوطنات بالقدس لا يتوقفلجزيرة نت)

  وماذا عن الجمعيات التي تغثيت المقدسيين، والمعيقات التي تواجهها؟

بطبعيه الحال اليوم من هم بحاجة إلى الإغاثة الإنسانية الفورية والسريعة بالقدس هم من تهدم بيوتهم ويتم تشريدهم وبحاجة إلى إغاثة سريعة وعاجلة، لكننا نرى أنه بمجرد لقاء للنواب العرب بالكنيست مع العائلات المشردة التي هدمت منازلها وأسر الشهداء فإن إسرائيل تعتبر ذلك تجاوزا وخرقا للقانون.

في هذه المرحلة هناك خلط أوراق غريب وعجيب من قبل الاحتلال بكل ما يتعلق ويحصل في القدس، بيد أن عمل المؤسسات ورغم العراقيل والمعيقات مستمر وتحاول مثلما يقال بالعامية "بل ريق الناس".

لكنني أعتقد أن المطلوب شيء أكبر مما هو عليه الآن، إذ نلمس حجم الحملة المركزة والهادفة إلى إبعاد الفلسطيني عن القدس، حيث تتظافر جهود ونشاط جهات مختلفة ومؤسسات إسرائيلية جميعها تتعاون في ما بينها وتصب باتجاه واحد نحو دفع المقدسيين إلى الهجرة القسرية.

 ما هو دور الجمعيات بتثبيت وتعزيز صمود المقدسيين في هذه المرحلة؟

الإمكانيات لدى المؤسسات الفلسطينية ضعيفة وقليلة، فهناك إشكالية حول كل موضوع تمويل الجمعيات بالقدس، فالكثير من الفعاليات والجمعيات الفلسطينية وبسبب الإجراءات الإسرائيلية وشروط الصناديق والدول المانحة اضطرت لإغلاق أبوابها وترك المدنية للانتقال إلى الضفة الغربية، لأن جزءا من شروط المانحين لبعض المؤسسات المقدسية هو عدم النشاط بالقدس، وهذا على ما يبدو أتى ضمن الضغوطات الإسرائيلية التي تمارس على صناديق الدعم والمنح، وعليه نلمس أن مستوى التمويل للمؤسسات والجمعيات الفلسطينية قليل وضعيف جدا.

مقابل ذلك، هناك نشاط واسع بالقدس المحتلة لجمعيات إسرائيلية ترصد لها ملايين الدولارات، إذ كشفت تقارير ضريبية النقاب عن ظاهرة التهرب الضريبي في الكثير من دول العالم والتي تحول الأموال للجمعيات اليهودية لتعزيز الاستيطان بالقدس، كما أن كل مستوطن يحصل على مبالغ طائلة، ناهيك عن التقارير التي أكدت رصد الاحتلال سنويا ميزانية تقدر بمئة مليون دولار لحماية المستوطنين.

 إذا إلى أي مدى تشكل الجمعيات المقدسية حجر عثرة قبالة المشروع الاستيطاني بالقدس؟

بلا شك، حجر عثرة هذا هو التعبير الصحيح، لكن هذا الحجر غير كاف، فمن أجل تعزيز دورها ووجودها فهي بحاجة إلى مزيد من الدعم لكي تصمد قبالة مخطط الترحيل والتهجير والمشروع الاستيطاني والتهويد الكبير الذي نواجهه.

على سبيل المثال نشر مؤخرا أن ميزانية بلدية الاحتلال مليار ونصف المليار دولار، وهي بغالبيتها مخصصة للاستيطان ودعم ومساعدة المستوطنين وتعزيز وجودهم وتثبيتهم في القدس.

لذا، فالمطلوب اليوم تكثيف دعم المؤسسات والجمعيات الفلسطينية بالقدس والتي تساعد الفلسطينيين على البقاء، ويجب توظيف الأموال والدعم لهذه الجمعيات والمؤسسات لتكون فعلا حجرا كبيرا وصخرة قبالة ما يتم إسرائيليا.

 تطرقت لقضية التمويل، فما دور العرب والمسلمين بتمويل المؤسسات المقدسية وتعزيز صمود المقدسيين؟

 بدون أدنى شك لا يرتقي هذا الدعم والدور للمستوى المطلوب، فعلى سبيل المثال تخصص السلطة الفلسطينية -التي نعرف حجم العجز الذي تعانيه موازنتها- للقدس والجمعيات ما لا يتعدى 1%، وهذا غير كاف إطلاقا لمساعدة الفلسطينيين على الصمود فيها.

بات واضحا أن كافة القطاعات المقدسية تشكو وتستصرخ للإغاثة والدعم، ولعل القطاع الأهم والأبرز -وهو الاقتصاد الذي من المفترض أن يكون عاملا مساعدا على بقاء الناس- يشكو ومهدد بالانهيار ويواجه مخاطر وجودية.

مقر الشرطة ومبنى البريد الإسرائيلي أقيما على حساب عقارات فلسطينية (الجزيرة نت)

  لو افترضنا غياب مشهد الجمعيات عن حياة المقدسي فكيف سيكون واقع القدس اليوم؟

صحيح أن الجمعيات تقوم بالمساعدة والإغاثة، لكن هذا غير كاف، هناك حصار لهذه الجمعيات من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ولو افترضنا أن هذه المؤسسات كانت ستقوم بنحو 70% إلى 80% من عملها ومشاريعها فإن دورها وعملها -بسبب محاصرتها ومطاردتها- لا يتعديان الـ20%.

بات واضحا أن الحصار الإسرائيلي للجمعيات المقدسية وإشكال التمويل دفعا الكثير من المؤسسات الفلسطينية إلى إغلاق أبوابها، إذ أغلق الاحتلال نحو ثلاثين جمعية ومؤسسة بادعاءات مختلفة، لأن الإسرائيليين غير معنيين بالوجود الفلسطيني في القدس، وعليه هناك ضرورة ملحة لمساعدة وتمويل هذه المؤسسات من أجل الاستمرارية والنشاط لتحقيق ولو كان جزءا من أهدافها ورسالتها.

 عموما، كيف ترى مستقبل الجمعيات والمنظمات الأهلية المقدسية في ظل استهداف الاحتلال لها؟

الخطورة لا تكمن على الجمعيات فحسب، المخاطرة محدقة بالوجود الفلسطيني في القدس، يوميا نلمس تصعيدا ونرى إجراءات جديدة تتقاسمها ويقوم بها، سواء على مستوى الجمعيات الاستيطانية والحكومة وبلدية الاحتلال والمسؤولين الإسرائيليين الذين يتحدثون وبلا خجل عن أهدافهم بإغلاق الجمعيات الفلسطينية وإبعاد عشرات آلاف الفلسطينيين عن القدس.

 وما الرسالة التي توجهها للعالمين العربي والإسلامي وللمجتمع الدولي في ما يتعلق بالواقع في القدس؟

أتمنى أن يكون هناك احترام للقرارات التي اتخذت في القمم العربية الخاصة بالقدس، نسمع عن الكثير من القرارات والأمور والصناديق المختلفة لدعم القدس والفلسطينيين، سواء على الصعيد المادي أو المعنوي.

لكن فعلا على أرض الواقع نلمس ونرى كما يقال "ذر الرماد بالعيون" فما يقدم لا يرتقي للمستوى المطلوب.

أما للمجتمع الدولي فأقول: كان يجب عليه أن يحترم دوره بالتصدي للانتهاكات الإسرائيلية وتنفيذ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، حيث كان من المفروض أن يكون حارسا لهذه القرارات وجزءا من عملية السلام المفترضة.

لكن ما نراه أن الإسرائيليين يضربون بعرض الحائط القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة وكذلك الاتفاقات المعقودة مع الفلسطينيين وغيرهم.

وبالتالي فإن المطلوب من المجتمع الدولي إذا كان فعلا ليس شريكا بما يحصل للفلسطينيين -سواء على صعيد الاستيطان وملفات أخرى والقتل اليومي- أن يأخذ دوره وألا يتغاضى أو يغض الطرف عما يحصل بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

المصدر : الجزيرة