أسيل جندي-القدس المحتلة

بريشتها تحكي على لوحاتها الحكايات التي لا تنتهي بعد أن تجف الألوان، لتروي قصصا فلسطينية عن حب الوطن والتمسك بالأرض والتراث الأصيل، فيما تتربع القدس بكل تفاصيلها على معظم أعمالها، ومن يتمكن من سبر أغوار لوحاتها يلمس فيها عمق الانتماء إلى مدينة القدس.

إنها الفنانة الشابة نمير قاسم المولودة في القدس عام 1984 والحاصلة على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة القدس عام 2007.

ظهرت موهبة الفنية المقدسية منذ الطفولة لتتضح معالمها قبل 12 عاما خلال مسيرتها الجامعية عندما شاركت بعدة لوحات في عشاء خيري بالعاصمة الأردنية عمان، تم خلاله اختيار أحد أعمالها كأفضل عمل فني، وتم إهداؤه إلى الملكة رانيا العبد الله في حينها.

القدس تجمل أعمالي
ترى نمير قاسم في القدس بسورها وأبوابها وقناطرها وأسواقها ومساجدها وكنائسها لوحة فنية متكاملة، فهي ترى حتمية تأثر الفنان المقدسي بهذا الجمال في أعماله مهما كان موضوع اللوحة التي يرسمها.

 لوحة "طابع عفوي" حملت اسم أحد معارض نمير قاسم (الجزيرة نت)

للقدس النصيب الأكبر في أعمال الفنانة المقدسية، فالبيوت والأبواب والأقواس ومظاهر الحياة اليومية مصدر إلهام لديها. وتقول إنها عندما تقرر رسم لوحة بعيدة عن القدس تجد نفسها تبدأ بتشكيل الزخارف واللمسات النهائية ذات العلاقة بالقدس "لأنني ببساطة أعشق هذه المدينة وأرغب بأن ترافقني في جميع أعمالي".

رغم أن القدس حاضرة دائما فإن الفنانة الفلسطينية لم تتمكن من تمرير ريشتها على أي عمل جديد منذ اندلاع الهبة الشعبية الأخيرة في المدينة، فالقدس هي الوجع الكبير الذي جفف ريشتها وأوقفها عن الإبداع مؤقتا، "الأحداث المأساوية تؤلمني ولم أرسم لوحات منذ أشهر، فلا أرى غير الدم الذي لم أتمكن حتى الآن من التعبير عنه من خلال اللوحات".

تأثرت نمير قاسم بقصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتعتبرها الملهم الأساسي لها، حيث اعتادت سماع معظم قصائده بصوت الفنان اللبناني مارسيل خليفة.

وعلى إيقاع هذه القصائد، ومن مطبخ منزلها الذي اتخذته مرسما تنسج فنانة القدس أفكارها مبحرة في فضاء الفن التشكيلي الذي وجدت فيه المساحة الكافية لإبداعها.

أطلت نمير قاسم بأعمالها في أكثر من مشاركة بمسارح ومراكز ثقافية، لتتوج هذه المشاركات بمعرض فردي لها تحت عنوان "طابع عفوي" عام 2012 ضمن برنامج المعرض الأول الذي نظمه مركز يبوس الثقافي للتعريف بالفنانين التشكيليين في القدس.

وضم المعرض في حينه 13 عملا فنيا غلب عليها الطابع التراثي الوطني والإنساني بأسلوب تجريدي عفوي.

وتمزج الرسامة بريشتها في لوحاتها الألوان النارية الدافئة بالتراب الذي تحرص على استخدامه في أعمالها، تأكيدا على حب الوطن وإصرارا على حق العودة.

 نمير قاسم شاركت في عدة معارض ومهرجانات خلال 2015 (الجزيرة نت)

لحظات صعبة
تقول الفنانة التشكيلية إن أصعب اللحظات التي يمر بها أي فنان هي تلك التي يضطر فيها للاستغناء عن إحدى لوحاته فيبيعها، موضحة أنها باعت في مسيرتها ست لوحات، وتتمنى لو تستطيع استعادتها.

اللوحة بالنسبة للرسامة المقدسية -التي تجمع بين رعاية طفليها وزوجها- مثل الطفلة التي تربيها الأم وتتعب كثيرا حتى تراها فتاة ثم تتزوج وترحل عنها، وتضيف نمير قاسم "هكذا بالضبط قسوة لحظة بيع اللوحات، خاصة أنها تتحدث عن الوطن والتراث ومدينة القدس، ولا يتمكن الفنان من استنساخ العمل مرتين لأن الانفعالات التي تدفعه للمباشرة بكل عمل مختلفة".

لا تنوي الفنانة الابتعاد عن هموم الفلسطيني وتفاصيل حياته اليومية في أعمالها، لكنها تسعى حاليا لإدماج الفن المعاصر بالفن التشكيلي في إيقاع مختلف لأعمالها القادمة استكمالا لمشهد حياة الفلسطيني من خلال ذاكرتها المقدسية الموشومة بأسوار المدينة الشامخة وأبوابها التاريخية وأسواقها العتيقة، آملة أن تختفي مشاهد الدم ويحل الأمان على المدينة قريبا، ليعود النبض لريشتها وتحلق في فضاء لوحات أكثر أملا من جديد.

المصدر : الجزيرة