محمد محسن وتد-القدس

بعد 35 عاما من السكن بالقدس الغربية قرر السبعيني عكيفا الدار وأولاده مغادرة المدينة، والاستقرار وسط إسرائيل، بحثا عن الاستقرار المجتمعي والحرية الشخصية والأمن والأمان الذي تفتقده المدينة.

ويشكو الدار -كغيره ممن غادر القدس التي يقطنها نحو 620 ألف يهودي ونحو 380 ألف فلسطيني- من طبيعة المجتمع المحافظ التوراتي بالمدينة، التي تغلق أبوابها نهاية أيام الأسبوع وأيام السبت بحسب تعاليم التوراة، ناهيك عن تداعيات الصراع مع الفلسطينيين وعسكرة المدينة بما فيها الشطر الغربي باستنفار متواصل لقوات الأمن والشرطة.

حالة الدار -وهو محلل سياسي وباحث في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني- تعكسها معطيات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، وتتعلق بميزان الهجرة الداخلي في عام 2014، إذ سجلت القدس أعلى نسبة هجرة سلبية نحو منطقة المركز (وسط إسرائيل) وتل أبيب والبلدات الأقل اكتظاظا، حيث وصل للسكن بالمدينة نحو 10351 يهوديا، وهجرها -في المقابل- 17091، بفارق 6740 إسرائيليا.
32% من سكان القدس من اليهود من طائفة الحريديم الأكثر تطرفا (الجزيرة نت)

هجرة الشباب
المعطيات الإسرائيلية تؤكد هجرة الشباب بين 15 و29 عاما من مدينة القدس، حيث هجرها 6421 شابا، بينما تم استقدام 4393 شابا من الفئة العمرية ذاتها، أما شريحة كبار السن حتى جيل 64 عاما فإن 2917 اختاروا الانتقال للضواحي والقرى التعاونية.

ويستدل من المعطيات أن نسبة اليهود المتدينين الذين يقطنون المدينة تصل إلى 63%، منهم نحو 32% من الحريديم المتطرفين، الذين تواصل نسبتهم الارتفاع بسبب معدلات الخصوبة والولادة العالية بصفوفهم، حيث يحظون بدعم وتمويل وخدمات رفاه مجانية من المؤسسات الحكومية المختلفة، وتسهيلات من البلدية.

ويعزو الدار في حديثه للجزيرة نت الهجرة السلبية للعلمانيين وغير المتدينين إلى تحول القدس لمدينة للحريديم وباقي المتدينين، مما يعكس الصراع الأيديولوجي والديني في المجتمع الإسرائيلي، وكذلك تكلفة السكن والعقارات التي تُفرغ لتُسوق ليهود المهجر الأثرياء من أوروبا وأميركا، الذين يتنافسون على اقتناء الشقق للاستجمام بالمدينة المقدسة.

ولفت إلى أن الشباب يهجرون المدينة المقدسة، سواء من ولدوا بها أو قدموا إليها للدراسة الجامعية أو العمل، وتكون وجهتهم منطقة الوسط والمدن الساحلية التي توفر لهم خيارات العمل، وتعدّ بيئة حاضنة للعلمانيين والليبراليين، وتوفر لهم الحريات التربوية والثقافية والفنية والمجتمعية، وأجواء الترفيه بعيدا عن الإكراه الديني الذي تتميز به القدس.

ويرجح الصحفي الإسرائيلي أن الهجرة السلبية للمدينة، التي بدأت عقب الأحداث التي انفجرت إثر مقتل الفتى محمد أبو خضير على أيدي مستوطنين إسرائيليين في يوليو/تموز 2014، ستتواصل وتأخذ منحى تصاعديا بسبب أن المدينة تحولت للحريديم، وأصبحت ذات طابع ديني توراتي، ناهيك عن احتدام الصراع السياسي مع الفلسطينيين في ظل الهبة الفلسطينية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

المحلل السياسي عكيفا الدار هجر القدس بعد أن سكنها نحو 35 عاما (الجزيرة نت)

مقاومة الاحتلال
فلسطينيا، يرى الباحث في مركز معلومات وادي حلوة محمود قراعين أن الهجرة المعاكسة تشكل مصدر قلق للمؤسسة الإسرائيلية لاحتمال تنامي ما تراه خطرا ديموغرافيا فلسطينيا، مشيرا إلى سعي إسرائيلي حثيث لجلب اليهود وتثبيتهم بالمدينة من خلال منحهم تسهيلات وإغراءات وإعفاءات، "بيد أنها فشلت في استقطاب الأزواج الشابة، بينما ترتفع نسبة الحريديم والمتدينين".

ورغم الصراع الديني بين اليهود المقدسيين والطابع التوراتي للمدينة، يجزم قراعين في حديثه للجزيرة نت بأن مقاومة الاحتلال والمواجهات المتواصلة بالقدس المحتلة  "حفزت اليهود -والشباب على وجه الخصوص- على هجرة المدينة بسبب الهواجس والخوف من العمليات الفردية للفلسطينيين".

ويضيف أن تعامل الحكومة الإسرائيلية وممارساتها القمعية والتعسفية ضد الفلسطينيين بالهدم والاعتقال والتنكيل والطرد والإبعاد والاستنفار الأمني؛ "أعطى اليهود شعورا بأنهم في ساحة حرب، وخلق انطباعا لديهم بعدم الاستقرار وغياب الأمن والأمان".

المصدر : الجزيرة