وديع عواودة-المالحة

المالحة كشقيقتها المجاورة عين كارم، قرية فلسطينية طبيعتها حلوة في غربي القدس، احتلتها الصهيونية في 1948 فطردت أهلها ولم تهدم كل منازلهم.

هذه البيوت الحجرية مسكونة اليوم بمهاجرين يهود من العراق وتونس وكردستان وأستراليا، لكن مظهرها الخارجي يدل على هويتها العربية. يتمثل ذلك في بيوت أبوابها ونوافذها المقنطرة، وتزدان مداخلها بلوحات رخامية تحمل أسماء أصحابها أو آيات قرآنية مثل "إن فتحنا لك فتحا مبينا" أو "هذا من فضل ربي".

وبالنسبة للشيخ محمد حسن فرج (أبو محمود) فإن زيارة بلدته المالحة تحرك مواجعه وترفع منسوب مرارته الدفينة جراء التهجير والخسران.

غريب الدار
هذا ما حصل حينما رافقنا الشيخ فرج (81 عاما) لمسقط رأسه في جولة بين بيوت حجرية جميلة يستوطنها المهاجرون اليهود منذ تم ترحيل أهلها في نكبة 1948، إلى بيت جالا وبيت لحم ورام الله والقدس وغيرها.

سيارات لمستوطنين من أقطار العالم استوطنوا منازل الفلسطينيين بالمالحة (الجزيرة)

أبو محمود المقيم في قرية شرفات قبالة المالحة داخل الضفة الغربية، يعبر عن شعوره -وهو يقف غريبا محروما في دياره- باستذكار مقولات شعبية يرددها أهالي المالحة منذ طردوا من ديارهم تغنيا ببلدهم.

يوضح الشيخ الجريح أنه يشعر بالاختناق في كل مرة يزور بلدته، ويرى كيف تم تهويد مراتع طفولته، وساحات لهوه ومدرسته. ويعترف أنه ما زال يشعر بالغربة في بلدته الحالية شرفات، ويكتوي يوميا بالحنين لمسقط الرأس.

ويتابع: "أتحاشى عادة زيارة المالحة؛ فلا عين تشوف (ترى) ولا قلب يحزن، فنحن ولدنا وتربينا وتعلمنا هنا، وعشنا عيشة وديعة هنية في دارنا، وهي مخزن ذكرياتنا قبل أن يأتي مهاجرون من أستراليا ويستولون عليها".

ويبدي تشاؤمه من المستقبل. ويقول إن أهل القضية غير متحدين حتى عند الشدائد، معتبرا ذلك "نكبة ثانية".

بدوره يقول شقيقه جابر فرج (أبو أسامة) إنه التقى في زيارة سابقة للمالحة سيدة يهودية تستوطن أحد بيوتها، فسألها هل تؤجر البيت؟ لكنها رفضت، فباردها: وكيف تقبلين إذن بالسكن في بيت ليس لك، وعندها تظاهرت أنها لا تعرف أن ملكيته عربية بالأصل.

وينقل فرج (65 عاما) عن بعض أهالي البلدة من كبار السن قولهم إنهم ربما كانوا نجوا لو استجابوا لنداء مختارها عبد الفتاح درويش الذي حثهم على البقاء، لكنهم رفضوا ذلك بشكل فظ أحيانا.

لكن عيسى علان -ابن المالحة اللاجئ في بيت جالا المحتلة عام 1967- يشكك في احتمال البقاء في حينها، رغم تطمينات تلقاها مختار المالحة. ويقول إنها تكررت في كل قرى القدس الغربية تقريبا لكنها لقيت المصير ذاته، وتعرض من بقي فيها للقتل.

وذكر أن بعض المسنين بقوا في المالحة بعد احتلالها، وفقدت آثارهم وربما قتلوا، لافتا إلى دور مجزرة دير ياسين المجاورة في ترهيب الأهالي.

ينتشر أهالي المالحة اليوم في بلدتي بيت جالا وبيت ساحور ومخيم عايدة ببيت لحم ومدينة القدس والعاصمة الأردنية عمّان وغيرها.

منازل فلسطينية ما زالت موجودة في قرية المالحة المهجرة غرب القدس (الجزيرة نت)

وكان يعرف عن أهالي المالحة قبل النكبة كثرة العاملين البارعين في صناعة أحجار البناء الطبيعية، علاوة على الزراعة.

جمال الحجارة
تمتاز منازل المالحة الناجية من يد التخريب بجمالية حجارتها، وهكذا المسجد العمري المبني في الفترة العثمانية ما زال موصدا، وفي مدخله ترفع راية إسرائيلية.

ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس أن العصابات الصهيونية أخلت المالحة على دفعتين، مرة في أبريل/نيسان والثانية في يوليو/تموز 1948.

يوضح علان أن المالحة اكتسبت تسميتها -وفق الرواية الشعبية- من وجود عين ماء تميل للملوحة، مشيرا إلى وفرة المثقفين والمتعلمين في القرية بفضل بناء مدرسة ثانوية فيها عام 1932، وأغلبهم عمل في التعليم بقرى القدس قبل 1948.

علان الذي أصدر كتيبا قبل عشرين عاما بعنوان "حتى لا ننسى.. المالحة قبل 1948"، يوضح أن هذه القرية امتازت أيضا بسعة أرضيها التي بلغت حدودها حتى باب الخليل في شرقي القدس.

المصدر : الجزيرة