أسيل جندي-القدس المحتلة


باب العمود هو المدخل الشمالي الرئيسي للبلدة القديمة من مدينة القدس. ونظرا لموقعه الإستراتيجي ظل منذ القدم الأكثر حيوية بين أبواب المدينة.

تبلغ مساحة الساحة في منطقة باب العمود ومدرجاته والمحلات التجارية المملوكية الموجودة في مدخله نحو ثمانية دونمات ونصف دونم (8500 متر مربع).

ويعتبر باب العمود الأكثر فخامة من بين أبواب القدس من ناحية الزخارف والارتفاع، بالإضافة لكونه يقع فوق الباب الروماني القديم لمدينة القدس المبني منذ عهد إمبراطور روما هدريان في القرن الثاني الميلادي.

وبقي الباب محافظا على حيويته حتى اندلاع الهبة الشعبية الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول 2015، حيث اتخذ الاحتلال الإسرائيلي إجراءات في ساحته حولته بشكل تدريجي إلى منطقة عسكرية ارتقى فيها 11 شهيدا من بين أربعين شهيدا ارتقوا في القدس خلال الهبة، فضلا عن تعرض المقدسيين فيها لأبشع صور الإذلال من خلال التفتيش والضرب والاحتجاز والاعتقال التعسفي.

أهمية خاصة
كان لباب العمود أهمية منذ العهد العثماني باعتباره ممرا رئيسيا للقوافل التجارية والأفواج السياحية التي كانت تؤم القدس، نظرا لاتساع مساحته وقربه من الأسواق وطريقه الممهدة التي تؤدي لداخل أسوار القدس، ويتفرع منها الطريقان الرئيسيان للأسواق وللحيّين الإسلامي والمسيحي، وهما طريق باب خان الزيت وطريق الواد.

التنكيل بالمقدسيين ظاهرة يومية في باب العمود (الجزيرة نت)

ووفق الباحث في تاريخ القدس روبين أبو شمسية، فإن التغييرات الديموغرافية التعسفية، وبدء محاولات تقليص عدد المارة من باب العمود بدأت في انتفاضة الأقصى عام 2000، إذ كثفت البلدية من هجمتها على باعة الخضراوات المتجولين في المنطقة، وحرصت على تفريغ المكان منهم بشكل مستمر ثم خلال ملاحقتهم بالمخالفات ومصادرة البضائع.

وأشار الباحث المقدسي إلى التطور النوعي في الهجمة العسكرية في منطقة باب العمود مؤخرا، إذ تمنع شرطة الاحتلال المقدسيين بشكل عام والشبان بشكل خاص من الجلوس على مدرجاته، ومعاقبة من يفعل ذلك بالمخالفات التعسفية أو الاعتقال.

وأكد في حديثه للجزيرة نت أن قضية تفريغ باب العمود بالقوة تتطلب التصدي بتعاضد مؤسسات القدس كافة لكسر الحصار المفروض على هذا الباب، كونه يشكل مدخلا رئيسيا ويؤدي إلى أحياء سكنية كبيرة في البلدة القديمة، مما يساهم في عودة الحياة الاقتصادية والأثرية والسياحية لباب العمود.

وفيما لا يرى أبو شمسية دورا للمؤسسات، يقول "إن هناك تشديدات متدرجة آخذة في التعاظم تجاه باب العمود في محاولة للتقليل من أهميته وتفريغ البلدة القديمة".

من جهته، وبعد أن اعتاد الحاج الستيني على رؤية باب العمود على مدى عقود بقعة اقتصادية نشطة باعتماد تجارها على السياحة الداخلية والخارجية، فإن محمود خربتاوي (67 عاما)  يراه اليوم ثكنة عسكرية تنتشر فيه كلاب بوليسية وشرطة الاحتلال والقوات الخاصة، للتناوب على إهانة المواطنين.

وتابع "يصعب علينا تحمل هذا المشهد اليومي المؤلم، لكننا بنفس الوقت لن نغادر مدينتنا وسنتوجه للبلدة القديمة والأقصى يوميا، ولن تردعنا إجراءاتهم".

تعايش مع الألم
أما التاجر المقدسي أبو محمد الذي يتوجه لحانوته بالقدس القديمة منذ ثلاثين عاما، فيقول إن الأذى النفسي الذي يلحق بالمقدسيين بسبب الإجراءات الأخيرة يتفاقم بشكل يومي، لكنهم مضطرون للتعايش مع كل التفاصيل المؤلمة لأنهم اختاروا الرباط في المدينة المقدسة.

فعالية في باب العمود عندما كان يعج بالمقدسيين خلال رمضان في يونيو/حزيران 2015 (الجزيرة)

وأردف قائلا إن القدس القديمة "تسير كالدم" في عروقه، وعندما تقوم قوات الاحتلال بإغلاق مداخلها ينتظر لساعات ويصمم على الوصول لدكانه (متجره).

ويناشد أبو محمد جميع المقدسيين التوجه لأسواق البلدة القديمة لإجهاض مخططات الاحتلال بتفريغها من المتسوقين تمهيدا لترحيل التجار والاستيلاء عليها بالكامل.

وأضاف أن الحالة الاقتصادية "تخطت مرحلة الاحتضار إلى الموت، والحالة العامة تتسم بالذعر، لكننا نتوجه لأعمالنا لنرابط بالقدس رغم أن لقمة العيش صعبة المنال".

وشهدت ساحة باب العمود ومدرجاته على مدار سنوات طويلة تنظيم احتفالات ومهرجانات مقدسية ضخمة كان آخرها في رمضان الماضي حيث نُظّم مهرجان لاستقبال الشهر الفضيل.

لكنّ هذه الفعاليات أضحت مجرد ذكرى ينسج المقدسيون خيوط تفاصيلها في أذهانهم، فلم يشهد باب العمود منذ أشهر سوى إطلاق النار والملاحقة ونشر الذعر بين أوساط الأطفال والبالغين على حد سواء.

المصدر : الجزيرة