أسيل جندي-القدس

أربعة أطفال من مدينة القدس المحتلة استيقظوا مبكرا صباح اليوم، ليس للذهاب إلى مدرستهم، وإنما ليتنشقوا آخر نسمات الحرية قبل أن يقفل السجّانون عليهم أبواب العتمة والظلم لقضاء مدة محكوميات تتراوح بين عام وثلاثة أعوام في سجن مجدو الإسرائيلي، وذلك بعد إدانتهم بإلقاء الحجارة على سلطات الاحتلال ومستوطنيه في بلدة بيت حنينا.

واعتقل الاحتلال في كمين عشرة أطفال يوم 23 يونيو/حزيران الماضي، ثم أفرج عنهم بعد أسبوعين للحبس المنزلي الذي يقبعون فيه منذ ذلك الوقت حتى الآن.

وأصدرت المحكمة المركزية في القدس مؤخرا أحكاما بالسجن الفعلي بحق سبعة منهم، على أن يسلموا أنفسهم في السابع عشر من الشهر الجاري، إلا أن الأهالي تقدموا بطلب لتقديم موعد تسليم أبنائهم تجنبا لبقائهم في الحبس المنزلي.

وبناء على ذلك القرار، سلّم اليوم كل من: مراد علقم (14 عاما) ومحمد تايه (17 عاما) ويزن أيوب (17 عاما) وزيد الطويل (17 عاما) أنفسهم إلى مصلحة السجون الإسرائيلية، بينما سيسلم ستة أطفال آخرين أنفسهم في السابع عشر من هذا الشهر، وهم: محمد جابر (14 عاما) وعمر ياسين (14 عاما) وصالح اشتي (16 عاما) وعمر الطويل (17 عاما) ونور أبو هدان (17 عاما) وسيف الدين الطويل (16 عاما).

وداع الحرية
ما يحدث في مدينة القدس لا يحدث في مدينة أخرى في العالم، فحجم الظلم الذي يقع على الفلسطينيين المقدسيين يجبرهم أحيانا على اتخاذ قرارات قاسية، كقيام الأم والأب بتسليم أبنائهم القاصرين بأنفسهم إلى مصلحة سجون الاحتلال ليقضوا حكما بالسجن الفعلي سنوات.

زيد وسيف الدين الطويل شقيقان اختارا تسليم نفسيهما إلى السجن اليوم، وأقصى ما يتمنيانه أن يتم وضعهما في الغرفة ذاتها في السجن ليخففا عن بعضهما ألم فراق الأهل للسنوات القادمة.

زيد وسيف الدين الطويل مع والديهما قبيل تسليم نفسيهما لمصلحة السجون الإسرائيلية (الجزيرة نت)

لا تخفي والدة الطفلين أم محمد حزنها على فراق ابنيها، ولم تملك منع دموعها خلال حديثها للجزيرة نت عن تسليم ابنيها للسجان، لكنها تقر بأن ذلك قدرهما وتتمنى عودتهما سالمين.

أما زيد فيوضح أنه رغم قساوة موقف تسليمه لمن يحتل وطنه، يرى في السجن الفعلي عقوبة أقل وطأة من الحبس المنزلي، لأنه يعرف أنه سينهي محكوميته ويخرج، على عكس الحبس المنزلي الذي لم يكن يعرف نهايته مما جعله يتحول إلى إنسان عصبي يثور لأبسط الأمور.

يؤكد الطويل أن الاحتلال أغلق الطريق أمام حلمه بالتقدم للثانوية العامة والتفوق بها للالتحاق بإحدى الجامعات، مؤكدا أن الظلم الكبير الذي تعرض له منذ لحظة الاعتقال دفعه للتصميم على مواصلة مسيرته التعليمية بدءا من دراسة الثانوية العامة داخل السجن.

أما شقيقه سيف الدين فظهرت عليه علامات توتر أكثر، وهو يصرح بصعوبة موقف التسليم  لمصلحة السجون "لأن إسرائيل عدو ولا نأتمنها على أنفسنا ولا نعرف كيف ستكون أجواء السجن، لكننا متأكدون أنها قاسية جدا، زيد سلّم نفسه اليوم وسألحق به خلال أيام".

يقول سيف إنه سيفتقد والدته التي كابدت معه كثيرا منذ لحظة اعتقاله وخلال فترة الحبس المنزلي، وستتعب أيضا خلال الأشهر القادمة أثناء زيارتهما في السجن.

ضيق الحبس
يشعر مراد علقم بالضيق كلما فكّر بتفاصيل السجن، لكنه يحاول التخلص من الأفكار السلبية بالتجول في ساحة المنزل والحديث مع من حوله.

أطفال مقدسيون يسلمون أنفسهم لمصلحة السجون الإسرائيلية في سجن الرملة بوجود ذويهم (الجزيرة نت)

يقول مراد إن الحبس المنزلي دمّره وأوصله إلى مرحلة أصبح فيها أكثر عصبية يغضب لأبسط الأسباب، مضيفا "أضرب أخوتي وأصبحت مدخّنا، وآذيت نفسي مرارا من خلال غرز أظافري في وجهي وأجزاء من جسدي، تعبت كثيرا لذا أريد أن أدخل السجن وأخرج للحرية للأبد لأرتاح من كل هذا".

منذ طفولتهما تعلق مراد علقم ومحمد تايه ببعضهما، فهما يعيشان في المنطقة ذاتها والتحقا بالمدرسة نفسها، ويتمنى محمد لو أنه يُزجّ بنفس الغرفة في السجن مع مراد، لكنه يستبعد ذلك بعد بلوغه سن الثامنة عشرة مؤخرا، إذ يُرجّح أن يوضع في غرف البالغين في السجن وليس مع الأشبال.

ومع حرمانه من التوجه للمدرسة بسبب الحبس المنزلي، يقول محمد تايه إنه كان يحلم بالالتحاق بإحدى الجامعات الفلسطينية ودراسة المحاسبة، لكنه عزف عن هذه الفكرة بسبب ضياع السنة الدراسية الحالية بالإضافة إلى ثلاث سنوات قادمة، وهذا كفيل بتدمير مستقبله التعليمي، بحسب رأيه.

يذكر أنه يقبع داخل سجون الاحتلال حاليا 118 قاصرا مقدسيا وخمس قاصرات، بالإضافة إلى ستة أطفال تقل أعمارهم عن 14 عاما.

المصدر : الجزيرة