محمد أبو الفيلات-القدس

لكل حجر في مدينة القدس حكاية تمتد لعصور موغلة في القدم، وتستمر أحداثها إلى يومنا هذا، وربما أسواق المدينة الجريحة هي من تملك الوفرة الأكبر في الحكايات، كونها عاصرت العديد من البشر في حقب زمنية مختلفة.

فإذا دلفنا إلى مدينة القدس من باب العامود، وهو بابها الرئيسي، تقودنا طريق خان الزيت إلى الأسواق الجنوبية لبلدة القدس القديمة، التي تعود في أغلبها إلى الفترة الأيوبية، ويلفت انتباه كل من يمر في تلك المنطقة سوق صغير يعد من أصغر أسواق البلدة القديمة، وهو سوق غير مسقوف يسمى "سوق الحصر"، وكان جزءا من البارمستان الصلاحي الذي أوقفه صلاح الدين الأيوبي لعلاج مرضى مدينة القدس وجنودها.

منتجات القش
والبارمستان كلمة قديمة من أصل فارسي، تعني مكان رقود المريض، وهي ما يعرف حاليا باسم المستشفى، حيث امتد البارمستان الصلاحي في المنطقة التي تعرف اليوم بسوق الدباغة وسوق البازار والحصر.

تحول أغلب تجار سوق الحصر إلى بيع المنتجات السياحية لكن تجارتهم مهددة بالتوقف (الجزيرة نت)

اكتسب سوق الحصر اسمه من المنتجات التي كانت تباع فيه، كسائر أسواق بلدة القدس القديمة التي سميت باسم مهنة أصحاب حوانيتها كسوق العطارين واللحامين وغيرهما.

كان أصحاب الحوانيت في سوق الحصر يبيعون الحصر (المفارش) والسلال والمقاعد المصنوعة من القش، حيث يأتون ببعضها من القرى الفلسطينية، خاصة قرى مدينة نابلس (شمال الضفة) ويعرضونها للبيع في حوانيتهم.

ويوضح رئيس لجنة سوق الحصر حلمي السلايمة -وهو من مواليد هذا السوق- أن السوق كان الوحيد الذي يبيع الحصر في بلدة القدس القديمة، فكان سكان القدس يتوافدون إليه لشراء الأطباق المصنوعة من القش أو السلال أو المقاعد، إذ لم تكن المواد البلاستيكية دخلت السوق المقدسي في ذلك العهد.

ويضيف أن سكان المدينة كانوا يستخدمون سلال القش في التسوق، حيث كانوا يملؤونها باللحم والخضراوات، ويستخدمون أطباق القش في وضع الطعام عليها.

ويتكون سوق الحصر من ثمانية متاجر، كانت خمسة منها تبيع الحصر، واستمرت كذلك حتى ثمانينيات القرن الماضي، إذ توفي آخر بائع للحصر في السوق، وتحولت متاجر السوق إلى حوانيت سياحية.

السلايمة: الاحتلال أراد الاستيلاء على القدس وإنهاء الوجود العربي (الجزيرة نت)

وضع صعب
يقول السلايمة للجزيرة نت إن دخول المواد البلاستيكية إلى السوق المقدسي قاد الناس لشرائها كونها رخيصة الثمن وسهلة الاستخدام، وهجروا منتجات القش؛ وهذا ما اضطر ورثة أصحاب محلات سوق الحصر إلى تغيير مهنتهم.

وبسبب ضعف الحركة السياحية في مدينة القدس اضطر بعض أصحاب المحلات في سوق الحصر إلى إغلاق محلاتهم وتأجيرها كمخازن. ورغم أن السوق مدخل رئيسي لحارة الشرف التي تحولت إلى حارة اليهود، فإن السياح الأجانب لا يسلكونها، مما أدى إلى توقف الحركة الشرائية في السوق.

ويوضح حلمي السلايمة أن الاحتلال أراد الاستيلاء على القدس وإفراغ العرب منها، فقام بمنع فلسطينيي الضفة الغربية من الوصول إليها عن طريق إقامة الجدار، ومنع فلسطينيي الضفة وأراضي48 من القدوم إلى القدس.

ولا يدفع المقدسيين لفتح متاجرهم في سوق الحصر إلا حبهم لمدينة القدس، وخشيتهم من أن تصبح ذات أغلبية يهودية، وهو ما يجعل السوق مهددا بالإغلاق في حال خروج أصحاب المحلات للبحث عن مكان آخر يؤمن لهم لقمة العيش، إذا ما بقيت حاله على ما هي عليه الآن.

المصدر : الجزيرة