جهاد الرجبي

جهاد الرجبي

روائية وإعلامية

ما باعت مدينتنا ضفائرها

ولا استسلمت للجلاد

ما دنس المحتل مخدعها..

وقد صارت أسوارا لها الأجساد

رماد الظلم يعكر صفو العين ولا يعميها

فالدمع إن أسعفها يحميها

وإن خذلتها الأهداب..  

 انفضوا الغبار عن قصائدكم القديمة، انفضوه عن أرواحكم، عن أحلامكم، انفضوه عن ذاكرة أمجادكم، فالشمس على مقربة، في فلك الصبر تدور لتصل بالضوء إلى مضاربكم، فأشعلوا بانتظارها ناركم وسيأتي النهار.

جراحنا كثيرة.. وأرواحنا تنزف، والخطوة في أرض العرب عسيرة، والأقدام من التائهين ترتجف، لهول الجوع والدماء، لاختلاط الرؤى، وانعدام البصيرة وقد غلف الضباب الحكايات، فما عدنا نعرف التفاصيل التي ترسم مصائرنا، ما عدنا نعرف بأي رصاص نموت، ولأي أي شيء يتمزق في فضاء الصدمة الحلم.

دم يسيل من كل الشقوق.. يغرق إنسانيتنا.. يغرقنا ويغرق آمالنا..

ساحاتنا مزقتها الفتن، وتشوه وجه الحقيقة، انقلبت على رؤوسها الأشياء، وبات العالم يتحرك بالمقلوب، وعلى رؤوسنا علينا أن نقف إن أردنا أن نراه

كنا بشهقة اللوم نبكي خريطة محتلة، وفي القيد كانت تئن عروبتنا وتبكينا، ولفلسطين كانت بالوجد تنزف أغانينا.. كنا نحلم بسقف يظلل أمتنا ونحن نروي حكايات البطولة، وننثر الأسماء في فضاء السمع أنغاما تحملنا حتى نعانق المآذن وهي للصلاة (على شهدائنا) تدعونا.. ولم نكن ببصيرة القلب نخطئ الشهداء.

اليوم كثرت خرائطنا على موائد البكاء، واليوم إن تنادي خيلا تمردت على قيدها، ما أسمعتها النداء وقد حمحمت بالغضب على بعض دمها فتضرجت بالدماء.

ساحاتنا مزقتها الفتن، وتشوه وجه الحقيقة، انقلبت على رؤوسها الأشياء، وبات العالم يتحرك بالمقلوب، وعلى رؤوسنا علينا أن نقف إن أردنا أن نراه.

تتلاطم الأمواج بنا، وبالدم نبحر مرغمين.. من بغداد لصنعاء لطرابلس وحتى القاهرة، بينما تلف دوامة الشام سفننا بالعتمة وتشدها للقاع لتغرقها..

من بين الظلمات تطل القدس منارة، ترشد سفننا التائهة إلى حيث يمكن للمرء أن يتنفس الحرية، أن يرسم ملامح عمره بيده، وأن يصنع التاريخ ليختار ملامح غده.

القدس منارتنا، مقياس عزتنا، وهي البوصلة حين يضيع منا الطريق، هذا ما أعلنته الشوارع في فلسطين.. (المكممة منها والمتمردة على تاريخ الاستسلام من أوسلو بتنسيقه الأمني وحتى انهيار أكذوبة السلام بين عدوين، وجود أحدهما غياب الآخر..).

في فلسطين.. للمعركة وجه واحد يحمل ملامح الشهداء والمجاهدين.. يرتدي صبر الثكالى والغيارى على هذا الدين.

في فلسطين.. للعدو وجه واحد لا تخطئه الذاكرة.. ولا يرتعش لقتله الرصاص، في فلسطين يقايض الدم بالدم، وتقايض في فلسطين الأنفاس، تختفي كل الخيارات من على طاولة الانتظار، تتساقط الأوراق التي ظن البعض أنها رابحة، تتساقط المدائن على مرأى من أبنائها، وقد كانت نافذة النهار للأرض التي عذبها الانتظار.

القدس تنتهك، وتهان مرابطات المقدس وهن يسيجن الأقصى بأهدابهن، ويقاومن بعزة الإيمان إذلال الجنود للمسلمين بإيذائهن، ويستمر الحفر تحت الأقصى، وتنتشر قطعان المستوطنين على التراب الطاهر بدنسها وما من صوت سوى التكبير، والمستوطنات تتمدد كخلايا سرطانية لا أحد يقاومها.

في فلسطين.. للمعركة وجه واحد يحمل ملامح الشهداء والمجاهدين.. يرتدي صبر الثكالى والغيارى على هذا الدين

في الوقت الذي ظن فيه المحتل أن شوارع فلسطين باتت مسكونة باليأس وقد جعل من الجدران جبال فصل عنصري تلتهم الأرض وتقهر الفلسطيني بمزيد من التضييق..

في الوقت الذي اعتبر فيه المحتل المقاومة تتركز في جارة البحر المحاصرة، واعتمد على أذناب التنسيق الأمني في خنق الغضب داخل العروق النافرة في الضفة، وظن المطامع تطيح بالفلسطيني الذي عاش في ظل الاحتلال على الأرض التي تخلت عنها أوسلو، ظنه يستسلم لتغيير القيم واللسان.

جوّع المحتل المقدسيين، زرع في بيوتهم العتيقة الفقر والجهل.. أراد أن يحرفهم عن مسار المقاومة بإشغالهم باللحاق بمواكب الحياة المسرعة، أراد أن يرهقهم باللهاث فإذا بالذي دفع به المحتل للشارع يلتقط من الطرقات المشتعلة السكين، ويبدأ بها مرحلة جديدة من تاريخ "اللاءات" التي أعلنها الشعب الفلسطيني بدمه، ليؤكد للمحتل أن تحرير القدس يبدأ من ساحاتها، ومن على أسوارها يتساقط مطر الدماء ليروي شوارعها بالفداء، ليعلن أن الضفة لم تستكن، ولم تستسلم لعدوها وظله، بل قطّعت هيبته على حد السكين، لتعود ذاكرة الخليل لحارة اليهود وهي تدفع ثمن التآمر على المسرى، ليعود الوهج للمدى الطاهرة في أيدي المجاهدين.. ليُزرع الرعب في قلب الغزاة، لترتجف أوصالهم وهم يرون الموت بعين خيالهم يتساقط من السماء، تنشق عنه الأرض، ويأتي مسرعا مع الأنفاس..

ليثبت الشارع الفلسطيني هيمنته على قضيته، وأنه وحده من يمنح الشرعية، ووحده القادر على انتزاع حريته، وأن رجل الشارع الذي لم يختبر الانخراط في عمل الفصائل لم تجره السياسة بحبالها، ولم يغادر حلمه الصغير بحياة تمنح القليل من الأمنيات.. هذا الرجل هو نار الانتفاضة وفتيلها، وهو من اختار أن يكون فارس المقدس وحارسها، وبيده وحده كان القرار.

فلسطين كعادتها تشتعل بإرادة أبنائها، وبأيدي أبنائها تتوهج، والريح التي تسعى لإطفائها ستغذي جذوتها ولن تهدأ..

أمهات يودعن قطعا من صدورهن بالزغاريد وأمل اللقاء، وبيوت بأمر المحتل تتهدم ليعلو بناء المقاومة بأيدي الصابرين، وبهمة المجاهدين وبأموالهم يرمم.

لا تملك إسرائيل في هذه المعادلة سوى آلة الموت، والموت في يد الفلسطيني سلاح، وسلاح هو صبر المجاهدات وإصرار المقدسيين على حماية الأقصى لتتطور وسائل الانتفاضة بهدي من الله وبصيرة

لا تملك إسرائيل في هذه المعادلة سوى آلة الموت، والموت في يد الفلسطيني سلاح، وسلاح هو صبر المجاهدات وإصرار المقدسيين على حماية الأقصى.. لتتطور وسائل الانتفاضة بهدي من الله وبصيرة تجعل هذا الشعب يثقل كاهل المحتل بالرعب والعجز عن توقع مسارها رغم جهود التنسيق الأمني وقيود الراغبين بالمتاجرة برسم الخريطة..

رجال الانتفاضة الثالثة قضّوا مضاجع الإسرائيليين الذي ظنوا الغد يأتيهم بالأمن حين لم تعد المواجهة الشعبية مجدية بسبب قلة نقاط التماس بين الفلسطينيين والمحتل بالضفة، فكانت المقاومة فردية، وكان السلاح سكين.

الانتفاضة الثالثة يمكنها أن تحمل وجه التحرير وصوته إن استطاعت الفصائل الفلسطينية أن تلتف حول المقاومة بمعادلات تملك أسباب استمرارها.. وإن أعيد ترتيب البيت الفلسطيني بما يفسح مكانا للجميع.

يبدع شباب فلسطين في تلقين العدو دروسا بالرجولة، ويفعل العدو كل ما بوسعه لإيلام هذا الشعب وإرغامه على الرضوخ..

فطوبى لمن كان له نصيب من هذا الجهاد، طوبى لمن يسبّح ماله في جدران البيوت المقدسية المرممة! وطوبى لمن يعمر بيتا في سبيل الله تهدم! طوبى لمن تنزلت عليه بركات بيت المقدس حين أرسل زيتا لسراجه وقد تعذر عليه الوصول لأسواره.. طوبى لمن صدّق وعد الله وترقب النهار.

ولنا في القدس لقاء..

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك