أسيل جندي-القدس

لم يكن يوما عاديا، فقد استفاق المقدسيون صباح الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 1990 على سيل من الدماء وأصوات الرصاص والقنابل ومكبرات الصوت التي صدحت من المساجد في دعوة لحماية المسجد الأقصى المبارك.

في ذلك العام وقبيل احتفال الإسرائيليين بعيد العرش اليهودي، قررت ما تسمى جماعة أمناء الهيكل تنظيم مسيرة للمسجد الأقصى بنيّة وضع حجر الأساس "للهيكل الثالث"، وتوجه مؤسس الجماعة حينها غرشون سلمون برسائل عبر وسائل الإعلام لحث اليهود على الانضمام للمسيرة قائلا إن "الاحتلال العربي الإسلامي لمنطقة المعبد يجب أن ينتهي وعلى اليهود تجديد علاقاتهم العميقة بالمنطقة المقدسة".

وفي محاولة للتصدي للاعتداء، اعتكف آلاف المصلين داخل مصليات المسجد الأقصى وباحاته، وفور اقتحام المستوطنين المشاركين في المسيرة للمسجد، هبّ المعتكفون لمنعهم من تنفيذ مخططهم. أما قوات الاحتلال الإسرائيلية فأطلقت العنان لأسلحتها واستخدمت قنابل الغاز السام والأسلحة الأوتوماتيكية والطائرات العسكرية، كما شارك المستوطنون بإطلاق الرصاص الحي تجاه المصلين في مجزرة الأقصى مما أدى لاستشهاد 21 شابا وإصابة المئات بجروح متفاوتة.

استعد للشهادة
رغم مرور 26 عاما على استشهاد شقيقه مجدي في المجزرة، لم يتمكن المقدسي ماجد أبو صبيح من حبس دموعه، وهو يستذكر تفاصيل ذلك اليوم الأسود قائلا "ليلة استشهاد مجدي قالت له أمي إنها تريد تزويجه، وأيّد هو فكرة والدتي حينها وطلب منها أن تشتري له غرفة نوم بيضاء اللون".

أبو صبيح: شقيقي مجدي طلب ليلة استشهاده من أمي شراء غرفة نوم بيضاء له (الجزيرة نت)

استيقظ الشهيد مجدي أبو صبيح (18 عاما) صبيحة اليوم التالي، اغتسل وأعدّ الشاي لوالده وأشقائه المجتمعين في محل الحلويات الخاص بهم في طريق الواد بالبلدة القديمة بالقدس، وبعد نحو ساعة أغلق التجار محالهم وتوجهوا للمسجد الأقصى مع توارد أنباء عن اقتحام كبير له، ورافق مجدي والده وأشقاءه للمسجد وكان يقول لكل من يصادفه بالطريق إنه سيستشهد اليوم داخل المسجد، وبعد أقل من ساعة أُصيب مجدي واستشهد فورا.

أما المقدسية نهى غراب (65 عاما) فسمعت من منزلها في حي وادي الجوز صوت الرصاص الحي يُطلق بكثافة داخل المسجد الأقصى، ارتدت ملابسها وهرولت باتجاه المسجد، وهناك رأت جثثا هامدة لشبان ارتقوا على ساحات مصلى قبة الصخرة وما زالت الدماء تسيل منهم.

في حديثها للجزيرة نت تقول نهى غراب: صدمت حين تنقلتُ بين جثث الشبان بعد أن هدأ إطلاق النار، وصدمتُ عندما وجدتُ جثة شقيق زوجي إبراهيم غراب من بينها، وكان يبلغ من العمر حينها 33 عاما، وكان أبا لأربعة أطفال وكانت زوجته حينها حاملا بمولودهما الخامس".

وأضافت "أذكر أن جميع الشهداء دُفنوا بالسر خشية إقدام قوات الاحتلال على خطف الجثامين وحرمان الأهالي من دفنها، وكذلك شقيق زوجي دُفن مساء ذلك اليوم، ولم يتمكن أقرباؤه من إدخال أرجله جيدا في القبر، فتركوه وعادوا للمقبرة فجر اليوم التالي وأدخلوه جيدا بالقبر وأغلقوا عليه.. كانت مجزرة وحشية ومشاهدها مأساوية".

نهى غراب: رأيت جثثا هامدة لشبان ارتقوا على ساحات مصلى قبة الصخرة (الجزيرة نت)

رصاص وطائرات
رئيس الهيئة الإسلامية العليا وخطيب المسجد الأقصى المبارك عكرمة صبري واحد من الشهود على المجزرة. ففي حديثه للجزيرة نت أكد أن الاحتلال بأذرعه المختلفة خطط حينها لوضع اليد على المسجد الأقصى بأجواء حربية عدوانية، وما إن بدأ الناس بالهتاف ضد الاحتلال حتى دخلت أعداد كبيرة من القوات الخاصة وجنود وشرطة الاحتلال للمسجد من عدة أبواب، وبدأ إطلاق الرصاص بشكل عشوائي وكثيف.

ويضيف صبري: قوات الاحتلال استعانت حينها بالطائرات للمشاركة في المجزرة، لكثرة أعداد المعتكفين بالمسجد، ولم يتمكن الجيش من محاصرتهم على الأرض.

ولفت رئيس الهيئة الإسلامية إلى تغيير الاحتلال من سياسته بالأقصى تدريجيا، إذ ينفذ حاليا اقتحامات عسكرية للمسجد، لكنه يتجنب القتل المباشر باستخدام الرصاص الحي، ويلجأ لاستخدام الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية والغازية لتفريغه من المعتكفين، مشيرا إلى تنامي سياسة الإبعادات والاعتقالات الاحترازية قبيل تنفيذ المستوطنين لاقتحاماتهم الكبيرة خلال الأعياد اليهودية لضمان سيرها بهدوء.

المصدر : الجزيرة