جمان أبوعرفة-القدس

عندما أنهى دراسته الثانوية، حدّث أيمن الشامي (18 عاما) عائلته بنيته الذهاب إلى العراق للدراسة الجامعية، أخبرته أمه بتوجسها حيال الأحوال المضطربة هناك لكنه أجابها "الرصاصة التي في العراق هي ذات الرصاصة هنا"، وأشار إلى حنجرته. بعد بضعة أسابيع وتحديدا صباح الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 1990 أصابته رصاصة قناص إسرائيلي في حنجرته فارتقى شهيدا بجانب سبيل "الكأس" في المسجد الأقصى المبارك، لينضم إلى نحو 20 شهيدا ارتقوا آنذاك فيما تعرف بمجزرة الأقصى الأولى.

ولد الشاميّ في القدس عام 1972، وترعرع في عائلة متدينة تسكن حي وادي الجوز القريب من المسجد الأقصى، وتصدّر المراتب الأولى في الصفوف الدراسية بمدرسة عبد الله بن الحسين في القدس.

الفجر الأخير
تروي والدته الحاجة تغريد رمادي للجزيرة نت كيف هنأه الجميع بعد نجاحه في شهادة الثانوية العامة، لكنه رد عليهم بقوله "لا، ليست هذه الشهادة التي ابتغيها"، في إشارة منه إلى شهادة الآخرة.

الشهيد أيمن الشامي كان يخطط لإتمام دراسته الجامعية في العراق (الجزيرة نت)

تستذكر والدة الشهيد أيمن ليلة استشهاده فتقول "جاءه المهنئون بنجاحه في الثانوية العامة، فانسحب قليلا من الوقت لأداء صلاة العشاء، لم يغب كثيرا، عاد بعدها وكأنه لم يحدث شيء، علمت لاحقاً من الجيران أنه قام بطلاء قبة مسجد الحي التي كان الجميع يتهيب طلاءها لارتفاعها وخطورة الصعود إليها".

طلب أيمن من والده إيقاظه مبكراً ليُدرك صلاة الفجر في المسجد الأقصى، وتذكر والدته ابتسامته الأخيرة جيداً حين ناولته ملابسه التي رافقت جسده تحت التراب.

اتجه المقدسيون بالمئات يوم الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 1990 إلى المسجد الأقصى بعد شيوع أنباء بنية جماعات متطرفة اقتحام المسجد، كان أيمن وأصدقاؤه من بينهم، حيث توجه باكراً إلى المسجد مبيّتاً نية الصيام.

حدثّ أصدقاء الشهيد عائلته لاحقاً عن أنه رفض تناول الإفطار الصباحي برفقتهم متعللاً بأنه يريد لقاء وجه ربه صائماً. وتؤكد والدته شغفه الدائم بالشهادة، وتحديداً في الأقصى فتقول للجزيرة نت "كان يرتب على كتفي ويطلب مني أن أدعو له، فأقول أسعدك الله، فيقول لي بل أطلبي لي الشهادة في باحات الأقصى".

جلست الحاجة تغريد في بيتها يوم المجزرة تترقب بخوف حال ولديها أيمن وأمجد اللذين توجها إلى المسجد برفقة مئات المقدسيين، وبحكم قرب بيتها من المسجد الأقصى ومشفى المقاصد في الطور، فإن صوت سيارات الإسعاف كان يزيد سرعة خفقات قلبها الذي كان ينتظر أي خبر عن ولديْها، لتجيب بعدها على جرس الهاتف الذي قيل فيه "أيمن الشامي في مشفى المقاصد، أخبروا عائلته"، هرعت الأم إلى المستشفى تبحث في أروقته عن خبر عن ابنها، ليمسك أحد معارفها هناك بكتفيها ويقول لها "أيمن مات".

والد الشهيد أيمن الشامي يستقبل المعزين يوم استشهاد ابنه يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول  1990 (الجزيرة نت)

سيارة الموتى
تتابع بصوت باكٍ للجزيرة نت "ساعدني الشبان في نقل ابني لسيارة الموتى لنذهب به إلى المقبرة، ركبنا في السيارة ونظرت إليه وهو مسجى، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا ما أراده".

أوقف جنود الاحتلال حينها سيارة الموتى ومنعوا عبورها، حاولت عائلته ثلاث مرات دون جدوى، إلى أن استطاع الشبان تهريب جثمانه ووضعه في أحد البيوت لتلقي عائلته عليه نظرة الوداع.

تتبعت والدته آثار دمائه التي أكدت أن رائحة طيبة كانت تنبعث منها، ثم مرت من خلال الجموع التي كانت تحيط به على أحد أسرّة البيت، قرأت له سورة ياسين، ثم ودعته إلى مثواه في المقبرة اليوسفية المجاورة للمسجد الأقصى.

جرح عائلة الشامي لم يقتصر على أيمن بل إن ابنها الثاني أمجد اعتقلته قوات الاحتلال يوم المجزرة من داخل المسجد، واقتادته مع عشرات المصلين إلى سجونها، حيث بقيّ 13 يوماً لم تعلم عائلته خلالها عنه شيئاً.

المصدر : الجزيرة