ريم الهندي-القدس

بملء روحها صبراً، تنتظر خولة الصوص موعد ما تصفها "بالمأساة" كل أسبوعين، يُحزنها أن تكون مأساتها زيارة طفلها القابع خلف قضبان الاحتلال، إذ تكابد العناء حتى تراه لأقل من ساعة لا تروي ظمأ شوقها إليه، ثم تعود في كل مرة بانتظار "مأساة" أخرى.

عبد الناصر عودة (15 عاما) طفل مقدسي، يعاني ويلات الاعتقال منذ أكثر من عام، بينما تعاني عائلته انتقاما جماعيا لم يشف غليل سلطات الاحتلال من الطفل وأهله، رغم أنها لم تثبت اتهامها ضده، ولم تصدر ضده أي حكم حتى الآن.

لا تنسى أستاذة الرياضيات في جامعة القدس خولة الصوص الواقعة التي تعدها من أصعب ما مرت به في حياتها، عندما اقتحمت قوات الاحتلال منزلها ليلة 13 سبتمبر/أيلول 2015، إذ فتش الجنود المنزل بهمجية، وكسروا محتوياته واحتلوه ساعات، وانتهت بإبلاغ العائلة بضرورة أن يُسلم عبد الناصر -الذي لم يكن أتم 14 عاما- نفسه في اليوم التالي، إذ لم يكن نائما في منزله تلك الليلة.

اقتحام ليلي
في تلك الليلة، منع رفْع أذان صلاة الفجر في المسجد المجاور لمنزل عائلة عودة في "جبل المكبر" بقرار عسكري، إذ بدا أن سلطات الاحتلال تبحث عن فدائي ذي باع طويل، لكن أحدا لم يكن يتخيل أن "المطلوب" في تلك الليلة هو الطفل عبد الناصر.

عائلة الطفل عبد الناصر تفتقده ولا تعرف موعدا لتحريره من الأسر (الجزيرة نت)

انقضت الساعات العصيبة بأصعب مما حملت، فعبد الناصر أصبح منذ ذلك الفجر أسيرا، تحتاج العائلة الانتظار 15 يوما حتى تستطيع زيارته، إضافة إلى لقاءات عابرة محاصرة بالجنود في قاعات المحاكم، في أيام لا تقل صعوبة عن ليلة الاعتقال، إذ ينقل جنود الاحتلال الطفل في الزنزانة المتنقلة (البوسطة) التي "يقشعر بدن" كل أسير يسمع بها حتى بعد سنوات من تحرره.

"أصعب لحظة عندما يقطعون الخط فجأة وما نكمل الجملة الأخيرة"، تقول خولة عن الزيارة المقررة كل 15 يوما، حيث تبقى الجملة عالقة على شفتي الأم حتى بعد عودتها لمنزلها محملة بالحسرة ومزيد من الشوق.

فخلال الزيارات لا يتاح لمن سُمح لهم من العائلة بالزيارة الحديث مع عبد الناصر وجها لوجه، بل يفصل بين الجانبين زجاج عازل للصوت، ويكون التواصل من خلال سماعات رديئة، يحتاج الطرفان بسببها للصراخ الذي يملأُ القاعة ضجيجا.

لأجل ذلك تصف خولة الزيارة "بالمأساة"؛ فالرحلة الطويلة من القدس إلى سجن "مجدو" بكل ما فيها من حواجز عسكرية وتفتيشات جسدية وغير ذلك من معاناة، تنتهي بما لا يكفي بأن يروي شوق الأهل لطفلهم، ولا لهفة الطفل حتى لأصوات عائلته.

أمضى عبد الناصر عيدي الفطر والأضحى إضافة إلى يوم ميلاده بعيدا عن عائلته، يقول لوالدته: "تزعليش أنا بوكل كثير، في العيد عملنا كعك ومعمول"، تسأله: "كيف كان طعمه"، يبتسم: "زاكي (لذيذ) بس ناقصه كعك ومعمول!" تعلق خولة: "يؤلمنا أن نعلم بما يشتهيه أطفالنا إضافة إلى حرمانهم من حريتهم".

ولم تنس شقيقات عبد الناصر موعد يوم ميلاده الذي يوافق 19 نوفمبر/تشرين الثاني، ولم يترددن كذلك في الاحتفال به وإعداد "كيكة" استبدلن المباركة عليها بـ"لك الحرية عبود". غير أن اليوم الثاني يقترب وعبود لم يستعد حريته وطفولته بعد.

رغم غيابه أحيت عائلة الأسير عبد الناصر يوم ميلاده بطريقتها الخاصة (الجزيرة نت)

طرد الوالد
ورغم طول مدة الاعتقال، وتكرر جلسات المحاكمة دون حكم، فإن اليأس لم يجد له مكانا في نفوس شقيقات "عبود"، فما زلن يكتبن عنه وله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كأنه يقرأ لهن.

تقول أخته بلقيس "أعلم أن الكتابة عنه لن تخرجه من السجن، ولكنني لا أجد ما أقدمه سوى الكتابة، أكتب حتى أخفف عن نفسي وأكون صوته الذي أسكتته زنازينهم، وغدا عندما يستعيد حريته رح أقرأه له".

لم تكتف سلطات الاحتلال بتغييب الطفل عن أهله، بل طردت والده الذي لا يحمل الهوية الخاصة بسكان القدس، وطردته من المدينة مانعة إياه من دخولها، كما منعته من زيارة طفله في معتقله.

المصدر : الجزيرة