أسيل جندي-القدس
 
قبل أن يصاب طفله بمرض سرطان الدم (اللوكيميا) لم يلتفت المقدسي رجائي القواسمي يومًا لمعاناة مرضى السرطان في المستشفيات ومرافقيهم، خاصة أولئك القادمين من الضفة الغربية وقطاع غزة للعلاج من هذا المرض في مستشفى هداسا عين كارم الإسرائيلي بالقدس.

قبل عام ونصف العام أكد الأطباء في قسم سرطان الأطفال بالمستشفى لرجائي القواسمي أن ابنه حبيب ذا التسعة أعوام مصاب باللوكيميا ولا بد من مكوثه لتلقي العلاج بالمستشفى لمدة طويلة، وكانت ردة فعل الوالد الدخول في حالة من العزلة وحبس نفسه مع طفله في غرفته بالمستشفى.

وبعد مرور شهر فتح باب الغرفة في محاولة للخروج من حالة الصدمة التي سيطرت عليه، ووجد حينها جميع أفراد عائلته وعائلة زوجته حوله يسندونه ويدعمونه في المستشفى، وعندها التفت لمعاناة مرضى غزة والضفة الغربية، إذ يواجه المريض ومرافق واحد معه فقط هذا المرض لشهور وربما لسنوات وحيدَيْن في حالة من الغربة داخل المستشفى.

بداية فردية
ومن هنا بادر رجائي القواسمي بالتخفيف عن المرضى الأطفال ومرافقيهم من خلال تلبية احتياجاتهم ومساندتهم نفسيا، لكنه واجه رفضا في البداية من إدارة القسم لأنه والد طفل مصاب بالسرطان وعليه أن يهتم بابنه فقط، وبعد ملاحظة طاقم القسم إصراره على المساعدة بدأت الصعوبات تتلاشى أمامه حتى بات واحدا من أعضاء الطاقم.

القواسمي: لاحظتُ جمعيات يهودية كثيرة تساعد المرضى فأسست جمعية نسائم (الجزيرة نت)

يقول القواسمي "لاحظتُ وجود جمعيات يهودية كثيرة تساعد المرضى ويوجد عدد من المتطوعين بهذه الجمعيات بالقسم على مدار الساعة، ومنهم من ينام بجانب الأطفال إذا اضطرت والدة أحدهم لمغادرة القسم، بالإضافة لفعاليات ترفيهية كثيرة تُنظم لهؤلاء الأطفال".

ويتابع "في أحد الأيام لفتني وجود حاجز اللغة بين متطوعة وطفلة فلسطينية مريضة ترقد بالقسم، وفورا خطر ببالي تأسيس جمعية عربية مقدسية تهتم بمرضى السرطان في مستشفيات القدس وجلب متطوعين فلسطينيين يعملون لأجل أطفالنا هناك".

وبمساعدة عدد من المقدسيين، بدأ القواسمي بإجراءات الحصول على ترخيص لجمعيته الجديدة "نسائم مقدسية" التي اتخذت مقرا لها في حي واد الجوز بالقدس الشرقية، وحوّلت عملهم من مبادرات فردية عشوائية لعمل منظم، إذ تستقبل الجمعية المتطوعين في المقر للتشاور بشأن الفعاليات القادمة والخطط المستقبلية.

يضيف القواسمي "اشترينا سيارة خاصة بذوي الإعاقة ننقل بها المريض ومرافقه من حاجز بيت حانون (إيريز) بغزة إلى هداسا عين كارم بالقدس، ومن منزله في كافة محافظات الضفة الغربية إلى المستشفى أيضا، واستأجرنا غرفا دائمة في فندق بانوراما بالقدس، وفّرنا بها المبيت والمأكل للمرضى ومرافقيهم ممن يحتاجون التوجه للمستشفى يوميا لتلقي الجرعة الكيميائية أو الإشعاعية".

ورغم أن طفله حبيب بدأ بالتماثل للشفاء من المرض، يحرص القواسمي على التوجه للمستشفى يوميا لمواساة المرضى هناك، ويقول "تعلقتُ بالمرضى والمرافقين حتى بتّ أتناول طعام الغداء الذي تعده زوجتي معهم بالقسم باستمرار، تحركت إنسانيتي نحو هؤلاء الأشخاص ولم أعد قادرا على تركهم يوما واحدا".

ومن بين أعضاء جمعية "نسائم مقدسية" فطيمة سرحان التي تعمل معلمة في قسم سرطان الأطفال بمستشفى هداسا عين كارم منذ اثني عشر عاما.

القائمون على جمعية نسائم يحرصون على إقامة فعالياتهم في قسم السرطان للأطفال بمستشفى هداسا عين كارم (الجزيرة نت)

الأدب للمرضى
وعن انطلاق الجمعية تقول "تمنينا دائما تأسيس جمعية عربية واحدة على الأقل لخدمة المرضى وذويهم إذ تشكل نسبة الأطفال الفلسطينيين من مرضى القسم نحو 60%، وهناك الكثير ممن يأتون بغرض المساعدة لكنهم لا يعودون، وهذه هي المرة الأولى التي نشعر بها باهتمام بالمرضى وشغف بالاستمرار في مساعدتهم".

ويشغل الروائي المقدسي عيسى القواسمي منصب المنسق الإعلامي في جمعية نسائم مقدسية، ووظّف الأدب في خدمة الأطفال المرضى من خلال التطوع بسرد القصص لهم في فعالية منتظمة بالقسم.

وعن نجاح هذه المبادرة الخيرية في تعزيز الترابط بين أبناء القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، يشير عيسى القواسمي إلى أنه رغم ظروف الاحتلال ومحاولته فرض أمر واقع بتجزئة كامل الوطن، تخطّت الجمعية كافة هذه الحواجز لأن هدفها إنساني بحت ينطوي على مساعدة الأطفال الفلسطينيين المرضى ومرافقيهم.

المصدر : الجزيرة