جورج كدر

جورج كدر

كاتب صحفي سوري وباحث في التاريخ

في أسبوع تبنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) قرارين نزلا على إسرائيل كالصاعقة؛ القرار الأول تبنته اللجنة التنفيذية التابعة لليونسكو، وينفي علاقة إسرائيل بالمسجد الأقصى ويتبنى هذه الاسم في نص القرار، لا تسمية "جبل الهيكل" كما تصر إسرائيل التي يصفها أيضا بـ"قوة الاحتلال"؛ والقرار الثاني صدر عن لجنة التراث العالمي الذي أقر مساء الأربعاء ويدين بشدة أعمال التنقيب غير الشرعية والأضرار التي تتسبب بها إسرائيل لأحد أبرز مقدسات المسلمين وهو المسجد الأقصى.

ما وسم المشهد الثقافي والفكري العربي في هذا الأسبوع هو واقعه المأسوي والتخبط المدهش والمؤسف على المستوى الثقافي والإعلامي، وهذا أمر في الحقيقة غير مفهوم وغير مبرر، إذ من غير المعقول أن كثيرا من المثقفين والإعلاميين العرب كانوا مشغولين بتجيير القرار لصالح كونه قرارا سياسيا لا علاقة له بالتاريخ، مع العلم أنه قرار تاريخي بكل المقاييس، لا بل من أهم القرارات التي تتخذ على صعيد المنظمات الدولية التي يلعب اللوبي الصهيوني بقوة في مراكز قرارها، ويوجه ضربة قاسمة لكل أعمال الحفر والتنقيب الإسرائيلية الباحثة عن هيكل سليمان والإرث اليهودي المزعوم تحت المسجد الأقصى.

قرار اليونسكو من أهم القرارات التي تتخذ على صعيد المنظمات الدولية التي يلعب اللوبي الصهيوني بقوة في مراكز قرارها، ويوجه ضربة قاسمة لكل أعمال الحفر والتنقيب الإسرائيلية الباحثة عن هيكل سليمان والإرث اليهودي المزعوم تحت المسجد الأقصى

رد على التشكيك
والمثير للأسى ما وصل إليه حال بعض مثقفينا من بؤس حقيقي، ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل -وكثير من دول العالم الداعمة لها- مشغولة بمواجهة الآثار السلبية الناجمة عنه، وتركزت تصريحاتهم على أنه قرار يتعلق بصميم الوجود التاريخي لليهود في القدس ويمس بأحد أبرز مقدساتهم وهو جبل الهيكل، وهو ما تقوله لنا ردات فعلهم العنيفة إزاء القرار؛ كان مثقفونا يتصيدون الأخطاء الناجمة عن فهم بعض البنود، من قبيل أن القرار لا يقول إن اليهود لا علاقة لهم بالقدس، بل قال إنهم لا علاقة لهم بالمسجد الأقصى، كما أن القرار لم يذكر اليهود بل إسرائيل، وهذا قادهم لاختزال القرار بأنه قرار سياسي لا أكثر، لا بل إن بعضهم رأى في طرح قرار آخر في اليونسكو بشأن القدس أنه تراجع عربي عن الأول نتيجة ضغوط إسرائيل.

يا للعجب، في هذه الأثناء كان أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي يخوضون حملة ضد هذه القرارات، ويعتبرونها مسعى خبيثا لنزع الشرعية عن إسرائيل، لا بل إن السيناتور الجمهوري تيد كروز قال إن "على أميركا حشد أصدقائنا وحلفائنا للاعتراض على قرارات اليونسكو الخبيثة، هذه التي تحاول تقويض العلاقة التاريخية للشعب الإسرائيلي بكل بلاده، بما في ذلك عاصمته، القدس".

تأتي أهمية قرار اليونسكو من كونه خرج من مؤسسة ثقافية تعنى بتاريخ وثقافة وتراث الشعوب، ولم يصدر عن منظمة سياسية، حتى لو تم تسييسه دوليا في بعض أبعاده، هذا عدا عن أن التعبير عن بنود القرار جاء بلهجة إدانة شديدة للانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في حرم المسجد الأقصى ومبانيه التاريخية من قبل متطرفي اليمين الإسرائيلي والقوات الإسرائيلية وموظفي سلطة الآثار الإسرائيلية.

وصف مهم
كما تضمن القرار استنكار الموقعين عليه للقيود التي فرضتها "دولة الاحتلال" للدخول إلى المسجد الأقصى عام 2015 وأعمال العنف التي تلت فرض تلك القيود، إضافة لوصف إسرائيل بـ"قوة محتلة" وهذا مهم جدا ليس على المستوى العربي طبعا بل على مستوى الدول الأوروبية التي دعمت القرار أو رفضت التصويت عليه.

والأهم من كل ذلك -وهو مربط الفرس- ما جاء في نص القرار بخصوص ما يتعلق بمنحدر باب المغاربة في الحرم (حائط البراق)، حيث أكد "أنه جزء لا يتجزأ من الحرم  القدسي الشريف".

جُنَّ جنون إسرائيل والداعمين لدولة إسرائيل في العالم الغربي، لدرجة أن رئيس حكومة إيطاليا ماتيو رينزي أدلى بتصريح مثير جاء فيه: "القول إن القدس واليهودية ليس بينهما علاقة يشبه القول إن الشمس تنشر الظلام"، ورغم تهديداته بتفضيله كسر الوحدة الأوروبية على موافقة دولة أوروبية على قرارات تشكك بالوجود اليهودي في القدس، فإن من بين الدول التي وافقت على قرار لجنة التراث العالمي الثاني كانت هناك دول أوروبية مثل فنلندا وبولندا.

الغريب أن الإعلام العربي لم يهتم مطلقا بهذا القرار جيدا، ولم نجد وسيلة إعلامية عربية اهتمت بنشر نصوص القرارات عندما كانت مشاريع ولا في صيغتها النهائية، رغم أهميتها التاريخية والثقافية

أسوق هذه النصوص للتأكيد على أن إسرائيل ومؤيديها ينظرون للقرار على أنه قرار "تاريخي" ويمس "الوجود اليهودي وتفرده بالقدس"، وهو ما قاله صراحة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من أن هذه القرارات "ليست مسألة سياسية، وإنما حقائق تاريخية". لكن الغريب أن الإعلام العربي لم يهتم مطلقا بهذا القرار جيدا، ولم نجد وسيلة إعلامية عربية اهتمت بنشر نصوص القرارات عندما كانت مشاريع ولا في صيغتها النهائية، رغم أهميتها التاريخية والثقافية، كما أن هذا الإعلام لم يهتم بذكر الدول التي صوتت لصالح القرار أو تلك التي التزمت الحياد.

ردٌّ استفزازي
وفي وقت تصعّد فيه إسرائيل من إجراءاتها في المسجد الأقصى بعد هذا القرار، والذي تجلى في دعوة نتنياهو "المجتمع اليهودي" إلى الانضمام إليه شخصيا للمشاركة في الحفريات التي ستنفذها سلطة الآثار الإسرائيلية أسفل المسجد الأقصى ومحيطه، والمشاركة بنقل الغبار من أسفله"؛ وفي وقت أدخل فيه عدد من الحاخامات كتاب "توراة" جديد إلى حائط البراق، وكل ذلك وغيره من خطوات استفزازية ستتخذها إسرائيل للرد على نفي وجود علاقة بين اليهود والمسجد الأقصى؛ فإننا لم نجد حراكا عربيا يناسب أهمية هذه القرارات ويدعمها، لا على المستوى الشعبي ولا على المستوى السياسي والأهم على المستوى الثقافي، مع أنه قرار يستحق حملة ثقافية تضعنا في أجواء هذا القرار والآليات التي استندت إليها الدول في دعم هذا القرار، والخلفيات التي بني عليها، وأهميته التاريخية وانعكاسه على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.

ليس من المهم أن يذكر نص القرار حرفيا اسم "اليهود" كما يدعي أصحاب التزام الدقة من المثقفين العرب، ولكن كل الإشارات في نص القرار المحبوك جيدا -وهذا نادرا ما يحدث في مشاريع القرارات العربية- تشير إلى التأكيد على الهوية الإسلامية لا اليهودية للمسجد الأقصى ومحيطه ومنه حائط البراق المقدس.

لم تأت أهمية القرار إلا من خلال الدول الغربية التي دعمته، لأن تلك الدول بهذا الدعم تدين ضمنيا عمليات "تهويد القدس" من قبل السلطات الإسرائيلية.

ومنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للقدس عام 1967 وهو يلهث جاهدا عبر عمليات تنقيب مستمرة لإثبات يهودية القدس وفلسطين، لكن وللعجب لم يتم العثور طيلة نصف قرن من البحث الذي سخرت له أحدث أدوات التنقيب وفرق أثرية مدربة بعناية لهذه المهمة، على أي دليل حتى الآن يثبت مزاعمهم التاريخية.

القرار صدر عن منظمة دولية ثقافية مهمة، وعلى الباحثين العرب تركيز جهود لدعم هذا القرار، فالمعركة قبل أن تكون سياسية هي معركة معرفية وثقافية وتاريخية

جرأة مطلوبة
ليس ذلك فحسب بل إن علماء إسرائيليين شككوا بالروايات الإسرائيلية في فلسطين، ومنهم -على سبيل المثال لا الحصر- شلومو ساند أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، الذي ألف عدة كتب تشكك بالروايات الإسرائيلية، كما فعل في كتبه "اختراع الشعب اليهودي" و"اختراع أرض إسرائيل" و"لماذا لم أعد يهوديا". وهو بالتأكيد ليس الوحيد، فهناك باحثون إسرائيليون آخرون ذهبوا بهذا الاتجاه، عدا عن باحثين عرب مجتهدين خاضوا في هذا الميدان الشائك ومنهم المفكر العراقي فاضل الربيعي، وقبله الباحث اللبناني كمال الصليبي وغيرهم.

قرار اليونسكو هذا يجب أن يثير الجرأة لدى الباحثين العرب للاجتهاد في نسف الروايات التوراتية، فالقرار صدر عن منظمة دولية ثقافية مهمة، وعلى الباحثين العرب تركيز جهود لدعم هذا القرار، فالمعركة قبل أن تكون سياسية هي معركة معرفية وثقافية وتاريخية، ولنلاحظ أن كل الجهود الإسرائيلية لدعم القرار السياسي بـ"تهويد القدس" بائت بالفشل، ولكنهم مصرون على اختراع تاريخ غير موجود لإيهام العالم بصدق روايتهم، وهو جهد تحشد له إسرائيل أموالا ضخمة ومؤسسات كبرى ولوبيات أخطبوطية تنتشر في مراكز القرار السياسي والإعلامي.

لذلك على المؤسسات الثقافية الفكرية العربية أن تركز على الحقائق الجديدة بدل دعم الرواية الاستشراقية في قراءة تاريخنا، آن الأوان لنكتب تاريخنا بأنفسنا، ونكف يد الآخرين من أصحاب المصالح والمطامع عن كتابته لنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك