هبة أصلان-القدس

يتداول المقدسيون فيما بينهم قصة الذي تكفل بإيصال عشر عبوات من الزيت على دابته ليسكبها في بئر الزيت داخل المسجد الأقصى، لكنه لم يسكب سوى عبوة واحدة، وما إن خرج من باب السلسلة هو ودابته والزيت المتبقي حتى فقد بصره، ولم يعد إليه حتى عاد وسكب ما سرق من العبوات بالبئر.

وبغض النظر عن دقة هذه الرواية في القدس، فإن المسجد الأقصى كان يضاء بالزيت الموقوف عليه في فلسطين ولبنان عبر آلاف القناديل، بل كان الزيت يخزن في بئر خاصة، وكان "الشعال" يتولى إضاءة هذه القناديل في أوقات الليل.

لم تكن وظيفة القناديل إنارة المسجد الأقصى فحسب، بل كان طلبة العلم الدارسين بالمسجد الشريف ومحيطه يعتمدون عليها خلال مذاكرتهم ليلا، كما كان حراس المسجد المبارك يضيئون المشاعل التي تعينهم على تفقد باحات المسجد بالزيت أيضا.

يقول مدير التعليم والتأهيل بالمسجد الأقصى ناجح بكيرات -وهو واحد ممن أسهبوا في تتبع مسيرة إنارة الأقصى- إن إضاءة المسجد المبارك ومرافقه بالكهرباء تمت عام 1931 لكنه ظل قبل ذلك يضاء بالزيت عبر آلاف القناديل والشموع الضخمة.

بكيرات: لكل حقبة زمنية قناديلها لكن الفترة المملوكية كانت الأجمل (الجزيرة نت)

آبار الزيت
ولا يستبعد بكيرات إمكانية وجود آبار عديدة للزيت في المسجد الأقصى، موضحا أن البئر الموجودة أسفل المسجد الأقصى قديما يعتقد أنها كانت تستخدم لحفظ الزيت، لكن البئر أسفل القبة النحوية هي الوحيدة التي حافظت على وجودها.

ويتابع في حديثه للجزيرة نت أن القبة النحوية هي إحدى القباب الأيوبية داخل باحات الأقصى، وتستخدم اليوم مقرا لمحكمة الاستئناف الشرعية، وما زالت البئر موجودة أسفلها لكنها غير مستخدمة.

ويقول أيضا إن البئر بُنيت في حقبة أموية، بعمق نحو مترين ونصف المتر وبعرض مترين، بينما بنيت جدرانها الداخلية بملاط "قصارة" ناعمة جدا وخالية من المسامات، وتحفظ فيها زيت الزيتون المعصور بعد قطفه من أشجار الزيتون المزروعة في باحات المسجد الشريف.

بالإضافة إلى البئر كان للزيت أدوات تستخدم لنقله وحفظه، ولا يزال بعضها محفوظا في متحف التراث الإسلامي داخل الأقصى، ومنها القِرب الجلدية والفخارية، بالإضافة إلى الأواني الزجاجية والأباريق، وقطع الشاش (قمش) التي كانت تستخدم مصفاة عند صب الزيت.

وكان لكل حقبة زمنية قناديلها، لكن الفترة المملوكية كانت الأجمل وفق وصف بكيرات "فمكوناتها إبداعية: زجاجها رقيق ومغطى بألوان جميلة وكتابات مميزة، مطعمة ومعشقة، أكسبوها جمالية للناظر فازدادت نورا على نور".

قنديل بالأقصى يضاء بالزيت في العصر المملوكي محفوظ الآن بمتحف الآثار الإسلامي (الجزيرة نت)

الزيتون والشعال
وقبيل وصول الكهرباء كان بالأقصى خمسون شجرة زيتون فقط، ولم يكن يكفي محصولها لإنارة المسجد، فكان أهل الخير يقفون أراضيهم لصالح إنارة المسجد المبارك، ومن هذه الوقفيات ما كان في مدن طولكرم ونابلس وقرية عين كارم المهجرة بفلسطين، وحتى في مدن صور وصيديا اللبنانية.

أما اليوم فيوجد في الأقصى 250 شجرة، يذهب جزء من محصولها إلى دار الأيتام الإسلامية وجزء آخر للمتطوعين الذين يقطفون الثمار ويساعدون في نقلها وعصرها.

أخيرا، يشير بكيرات إلى وظيفة "الشعال" الذي كان يقوم بنقل الزيت من البئر بالأدوات المخصصة، ثم يبدأ بتوزيعها على القناديل والأسرجة المعلقة في القباب، وكانت هذه العملية تتم مرتين يوميا: الأولى قبل صلاة الفجر والثانية من صلاة المغرب وحتى انتهاء صلاة العشاء، إضافة إلى المناسبات الدينية.

المصدر : الجزيرة