داود كتَّاب

داود كتَّاب

كاتب وصحفي فلسطيني

القرار الأخير الذي أقرته اليونسكو، الهيئة العالمية للتربية والعلم والثقافة، حول مدينة القدس القديمة والحرم القدسي الشريف والمسجد الإبراهيمي، ليست له أية علاقة باليهود أو بالتاريخ اليهودي.

تظهر قراءة متأنية للقرار الصادر عن اليونسكو أنه يتعلق بإسرائيل كدولة احتلال وبممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومع ذلك، فإن المرء قد لا يلاحظ هذه الحقيقة إذا ما كان يتتبع وسائل الإعلام الإسرائيلية بقدر تتبعه لوسائل الإعلام العالمية.

دان قرار اليونسكو إسرائيل على أفعالها ضد الفلسطينيين والمقدسات الفلسطينية، وذكّر العالم بأن محاولات خبراء اليونسكو المتكررة لدراسة الوضع على أرض الواقع ولقاء مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين، صدّها المحتل الإسرائيلي من خلال رفض إعطاء الخبراء تأشيرة أو اللقاء معهم.

إن آلة الدعاية الإسرائيلية الرسمية قد تجعل قراءها يعتقدون أن القرار معاد لليهود ولكنه مناهض للاحتلال الإسرائيلي، إذ ينص على عدم جواز قيام سلطات الاحتلال بتغيير أي تسميات في المناطق المحتلة.

لا إشارة لليهود
فرغم أنه لم يكن في القرار أية إشارة صريحة حول اليهود واليهودية، فإن كلمة الاحتلال تظهر 15 مرة في النص وكلمة إسرائيل 40 مرة، في حين أن اليهودية تم ذكرها مرة واحدة في إطار الديانات السماوية، وهذا يثبت أن محور القرار هو الاحتلال وليس أي أمر آخر.

بالرغم من أنه لم يكن في القرار أية إشارة صريحة حول اليهود واليهودية، فإن كلمة الاحتلال تظهر 15 مرة في النص وكلمة إسرائيل 40 مرة، في حين أن اليهودية تم ذكرها مرة واحدة

عندما يتعلق الأمر بكيفية معاملة قوة الاحتلال الأراضي المحتلة، فإن القانون الدولي الإنساني مليء بالنصوص الواضحة حول ما هو مقبول وما لا يجوز، خاصة من حيث الحفريات والآثار والسرقة الثقافية وتغيير الأسماء التاريخية.

وفي إطار هذا التركيز أشارت اليونسكو إلى أسماء الأماكن المقدسة الإسلامية بحسب ما كانت عليه قبل الاحتلال ومنذ عدة قرون. لو كانت اليونسكو قد تصرفت بشكل مختلف، لكانت المنظمة الدولية ذاتها مذنبة بتغيير الأسماء الثقافية التاريخية.

أكدت منظمة اليونسكو في قرارها وفي الفقرة الثالثة "أهمية مدينة القدس القديمة وأسوارها بالنسبة للديانات السماوية الثلاث". وأيضا، وفي إشارة إلى الموقعين المقدسين في الخليل: الحرم الإبراهيمي ومغارة المكفيلة، أكدت اليونسكو قناعة المجتمع الدولي بأن "الموقعين ذوا أهمية دينية لليهودية والمسيحية والإسلام".

فشلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية في الرد على القرارات الدامغة التي تكشف بوضوح الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للقانون الدولي وقرارات اليونسكو، مركزةً على ما لم يذكر، بدلا من التركيز على محور القرار الرئيسي.

للأسف حصلت الحكومة الإسرائيلية على المساعدة من مصدر غير متوقع، وهو المديرة العامة لليونسكو، التي انتقدت في تصريح صحفي القرار الذي تم التصويت عليه من قبل غالبية دول الأعضاء الذين عيّنوها.

قالت إيرينا بوكوفا في تصريحها إن "المسجد الأقصى/الحرم الشريف، المزار المقدس للمسلمين، هو أيضا جبل الهيكل الذي يعتبر جداره الغربي أقدس مكان في اليهودية".

رد عليها مشروع فلسطين من بين ردود أخرى بورقة مفصلة مقتبسا عن علماء الآثار الإسرائيليين الذين قالوا في أكتوبر/تشرين الأول 2015، إنهم لم يتمكنوا من إظهار العلاقة بين الحرم الشريف والهيكل اليهودي.

عندما يتعلق الأمر بالقدس والمقدسات، يمكن في المقام الأول البدء بالتعاون الجاد والصادق مع وزارة الأوقاف الأردنية، التي تم تكليفها من قبل الفلسطينيين والعالم الإسلامي لتكون القيّم والراعي لثالث الحرمين

اقتبست صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن "علماء الآثار لا يستطيعون أن يشيروا بشكل قاطع إلى أي  حجارة على أنها تعود إلى الهيكل الثاني، فضلا عن الهيكل الأول".

تجاوب أفضل
إسرائيل، وهي الدولة التي أعطيت الشرعية عند قيامها بموجب قرار من الأمم المتحدة، يجب أن تتجاوب بشكل أفضل بدلا من أن تعارض قرارا صدر بأغلبية من قبل الهيئة الثقافية الرائدة في العالم.

إن الإسرائيليين الذين علّقوا علاقاتهم مع اليونسكو لأن القرار لم يحتوِ على تعبيراتهم، يقدمون للعالم خدمة إذا ما فهموا وطبقوا القانون الدولي الذي يتم انتهاك نصه وروحه يوميا.

إن التعاون مع المنظمة الدولية بدلا من تعليق العلاقات مع اليونسكو، هو الطريقة الصحيحة نحو الأمام، خصوصا أن المديرة العامة قد أظهرت أنها قادرة على العمل بشكل مستقل.

عندما يتعلق الأمر بالقدس والمقدسات، يمكن في المقام الأول البدء بالتعاون الجاد والصادق مع وزارة الأوقاف الأردنية، التي تم تكليفها من قبل الفلسطينيين والعالم الإسلامي لتكون القيّم والراعي لثالث الحرمين.

في النهاية، فإن إسرائيل لديها معاهدة سلام مع الأردن ويمكن التوصل إلى تفاهمات  قد تكون أساسا لعدم تصعيد التوتر في القدس.

الدين والمواقع الدينية هي قضية حساسة ومثيرة للمشاكل التي قد تسبب بسهولة انفجارا إذا لم يتم التعامل معها بعناية وحكمة

إن العودة إلى الوضع الذي كان في القدس قبل سبتمبر/أيلول 2000 -كما طالب القرار- تلزم الإسرائيليين التخلي عن سيطرتهم الحصرية على باب المغاربة، وتسليمه إلى وحدة حراس الأوقاف الأردنية التي تعمل بصفة مشتركة مع الشرطة الإسرائيلية التي تتمركز في جميع البوابات الأخرى من هذا الموقع الإسلامي الديني الفريد.

يمكن لأي شخص يرغب في زيارة الحرم القدسي الشريف -بمن في ذلك الإسرائيليون- القيام بذلك من خلال البوابات المخصصة لزيارة السواح وخلال ساعات الزيارة. 

منع الانفجار
في النهاية، المسجد هو للمسلمين من أجل العبادة، في حين أن الآخرين -بمن في ذلك اليهود- يمكنهم زيارة الموقع كسائحين. ولقد توافق الأميركان والإسرائيليون مع الملك الأردني على هذا المبدأ.

الدين والمواقع الدينية هي قضية حساسة ومثيرة للمشاكل التي قد تسبب بسهولة انفجارا إذا لم يتم التعامل معها بعناية وحكمة، لذلك من الأفضل لإسرائيل الدولة المحتلة أن تعود إلى صوابها وتحترم القانون الدولي حول مسؤولياتها كسلطة احتلال، بدلا من اختلاق الأعذار ورمي الرماد بالأعين بخلق صراع ديني ليس موجود أصلا.

لقد لعب الأردن دورا إيجابيا في صيانة ورعاية الأماكن المقدسة في القدس، وعلى إسرائيل احترام الحكومة الأردنية والتعاون معها في كل ما هو متعلق بالأماكن الدينية، تجنبا للتخبطات الإعلامية الإسرائيلية التي قد تؤجج صراعا دينيا، العالم بأسره في غنى عنه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك