جمان أبو عرفه-القدس

حفر بأظافره وحيدا لسنوات خلت ليكشف عن آثار قديمة خلف جدار حانوته الصغير في البلدة القديمة من القدس المحتلة، إنه المقدسي عماد أبو خديجة الذي يخوض اليوم معركة الحفاظ على اكتشاف أثري من مخاطر استيلاء الاحتلال عليه. 

ويقع حانوت أبو خديجة في شارع باب السلسلة المقابل للطريق المؤدي إلى حائط البراق الذي استولى عليه الاحتلال وسماه المبكى، أما اكتشافه فهو متاجر تعود إلى العصر الأيوبي. 

ولد أبو خديجة في حي المغاربة غرب المسجد الأقصى، وترعرع بأحياء القدس القديمة، وكان يتردد على حانوت والده الذي ورثه عن جده منذ عام 1940. 

كبر وكبرت معه الرغبة في توسعة الحانوت، بدأ أبو خديجة يحفر بجداره الخلفي عام 1990، وكشف الحفر حينها عن سرداب ضيق يؤدي إلى طرف حائط قديم فواصل الحفر خفية رغم صعوبة الأمر وامتلاء المكان بالأتربة، لكنه اضطر  للتوقف عام 2000 بسبب اندلاع انتفاضة الأقصى وتدهور الأوضاع الأمنية. 

عماد أبو خديجة يقول إن سلطة الآثار الإسرائيلية التي تهيمن على الحفر سرقت الكثير من المكتشفات الأثرية (الجزيرة نت)

سرقة الآثار
تفاجأ أبو خديجة قبل ثلاث سنوات بمجموعة من موظفي سلطة الآثار الإسرائيلية يقتحمون حانوته، ويقول للجزيرة نت إن بعض الواشين أخبروا الاحتلال بصنيعه، الأمر الذي أدى لاعتقاله، حيث أخلي سبيله بعد اتهامه "بالحفر دون إبلاغ سلطة الآثار". 

أجبر أبو خديجة على استقبال موظفي سلطة الآثار يوميا والسماح لهم بالتنقيب قسرا، ويؤكد أنهم سرقوا العديد من المكتشفات الأثرية ووضعت جميعها في أكياس وأخرجت إلى جهة لا يعلمها. 

اضطر المواطن القدسي لإخلاء البضاعة من حانوته والتفرغ لعملية الحفر والاكتشاف خشية تفرد الاحتلال بها، فحرص على التواجد ليلا ونهارا منذ بداية أغسطس/آب الماضي برفقة بعض العمال العرب، ودعم من مؤسسة تيكا التركية التي تكفلت بمساعدته في عملية الحفر والترميم. 

ويوضح رئيس قسم الآثار والسياحة في دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس الدكتور يوسف النتشة أن الاكتشاف الذي توصل إليه عماد أبو خديجة هو عبارة عن قاعة استعملت لأغراض تجارية تتكون من أروقة تعلوها أقبية متقاطعة تستند إلى عقود مدببة تنخفض عن أرضية الشارع الحالي. 

ورجح النتشة للجزيرة نت أن بناء القاعة يعود إلى العصرين الأيوبي والإفرنجي واستخدمت لاحقا في العصرين المملوكي والعثماني، مبينا أن من مزايا العمارة بالبلدة القديمة إفضاء الأبواب الصغيرة إلى ساحات ومبانٍ واسعة، الأمر الذي يعزى إلى أن البلدة اعتمدت مكانا للاستقرار على مر العصور. 

وعن أهمية هذا الاكتشاف يؤكد النتشة أنه سر من أسرار البلدة القديمة في العصور الوسطى، ويتهدده الصراع المحموم للاستيلاء على العقارات بالقدس. 

حارس إسرائيلي يحمي عناصر سلطة الآثار الذين يتواجدون يوميا في منطقة الحفر (الجزيرة نت)

تراكم الضرائب
تقف وثائق ملكية الحانوت عائقا أمام استيلاء الاحتلال المباشر على هذا الاكتشاف الأثري، لكن أبو خديجة يعرب عن توجسه من طرق الاحتلال الملتوية، ويقول إن عروضا كثيرة للترميم قدمت له من قبل مؤسسات الاحتلال، لكنه يخشى الاستيلاء عليه بعد ترميمه، مشيرا إلى تراكم الضرائب الباهظة عليه، الأمر الذي يهدد حانوته بالمصادرة، وناشد الجهات المسؤولة ضرورة دعمه لمواجهة هذا التهديد. 

عرض الاحتلال مرات عديدة على أبو خديجة بيع حانوته مقابل ملايين الدولارات لكنه رفض، كما أنه كان يتعرض هو وأبناؤه إلى المضايقات المستمرة والاعتقالات، ورغم ذلك فإنه يصر على البقاء في حانوته وحراسة الاكتشاف الأثري الذي يؤكد أنه ليس ملكا لعائلته فقط بل هو وقف إسلامي. 

 ويقول "أنا مجرد حارس لهذا العقار الأثري، أطمح لأن أكمل اكتشافه وترميمه وأحوله إلى مزار أثري يدل على عروبة وإسلامية المكان، أو أجعل منه مطعما يقدم الطعام مجانا للفقراء".

المصدر : الجزيرة