سوق الخواجات بالقدس بلا متسوقين
آخر تحديث: 2016/10/22 الساعة 09:59 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/21 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/10/22 الساعة 09:59 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/21 هـ

سوق الخواجات بالقدس بلا متسوقين

تجار سوق الخواجات يواجهون اليوم خطر التهجير (الجزيرة نت)
تجار سوق الخواجات يواجهون اليوم خطر التهجير (الجزيرة نت)


أسيل جندي-القدس

منذ 63 عاما يتوجه التاجر المقدسي سمير نيروخ إلى حانوت والده في سوق الخواجات بالبلدة القديمة في القدس المحتلة. وبدأت رحلة العائلة مع التجارة بالأقمشة منذ عام 1936 ليكونوا شاهدين على تاريخ هذا السوق العريق وحاضره الأليم.

وعلى مدار سنوات طويلة قبل الاحتلال كان سوق الخواجات وجهة الفلسطينيين من داخل القدس وخارجها لشراء الأقمشة على اختلاف أنواعها، إذ لم تتوفر قديما الألبسة الجاهزة، وكان اعتماد الناس على تفصيل الملابس لدى الخيّاطين فقط.

ومع انتشار الألبسة الجاهزة بدأ نجم سوق الخواجات بالأفول، وكانت الضربة القاسية التي تلقاها التجار بالسوق انقطاع وصول أهالي الضفة الغربية إلى القدس بعد بناء الجدار العازل، مما دفع التاجر نيروخ للتفكير بوسيلة تكفل بقاءه بالسوق، وكانت النتيجة تحول حانوته تدريجيا من بيع الأقمشة إلى بيع أكفان الموتى.

احتضار تدريجي
يفتح نيروخ باب حانوته الصغير في تمام العاشرة صباحا، ويغلقه في تمام الواحدة ظهرا لانعدام الحركة بالسوق بعد هذا الوقت، ويقضي هذه الساعات بتحضير الأكفان وتغليفها وانتظار ذوي الموتى لبيعها لهم.

نيروخ بات شغله مقتصرا على تجهيز الأكفان للموتى بعد تراجع تجارة الأقمشة (الجزيرة نت)

يقول نيروخ "أضع داخل المغلف القماش الأبيض المخصص للأكفان والحنّة والقطن والبخور وليفة الاستحمام، تُوفي زميل لي كان يبيع الأكفان قبل سنوات، وأنا أبلغ من العمر الآن 71 عاما ولا أعلم من سيبيع الأكفان لموتى المقدسيين من بعدي خاصة أن أبنائي أخبروني أنهم لن يعملوا في هذا المجال بعد رحيلي".

ليس بعيدا عن ذلك يشتكي التاجر أبو علاء من انعدام الحركة الشرائية في السوق قائلا "لم يدخل جيبي شيكل واحد منذ ثلاثة شهور، وتجتاز الديون المتراكمة على الحانوت ما بين الضرائب والمخالفات والفواتير حاجز المئة ألف دولار".

ويضيف: "القدس تحتاج لمن يصمد بها وليس لمن يغادرها، لذلك أتوجه إلى العمل بعد إغلاق المحل عصرا كعامل حتى أتمكن من سداد الديون المتراكمة علي خشية إقدام سلطات الاحتلال للسيطرة على الحانوت".

وتختلج نفس المار من سوق الخواجات مشاعر الحزن على مصير هذا السوق  وعلى 32 حانوتا أغلقت عشرون منها أبوابها حتى الآن.

تعود بدايات سوق الخواجات للفترة المملوكية، وأُطلق عليه وعلى سوقَي اللحامين والعطارين اسم السوق الثلاثي، لأن الأسواق الثلاثة متلاصقة، يتوسطها سوق العطارين ويقع سوق اللحامين غربه والخواجات شرقه.

وسميت معظم الأسواق في مدينة القدس قديما نسبة للمهنة التي امتهنها الحرفيون في الفترة المملوكية على وجه التحديد فكان لكل سوق تخصصه، وسوق الخواجات سُمي قديما بسوق النحّاسين نسبة لمهنة النقش على النحاس، وكانت من أهم المهن التي جُلبت قديما للقدس من شرق آسيا.

 واشتهرت هذه المهنة نظرا لعشق السلاطين والأمراء والخلفاء ممن مروا على مدينة القدس للنقوش والزخارف النباتية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية أو أسماء الخلفاء والسلاطين، حتى باتت هذه النقوش صفة تميز العالم الإسلامي ولها سوق خاص بها بالقدس.

معظم المحال التجارية في سوق الخواجات أغلقت أبوابها وقلة منها تكافح للبقاء (الجزيرة نت)

وفي الـ19 بدأت مهنة النحاسة تتراجع تدريجيا، ولم يبق منها سوى حانوت واحد حاليا يختص بهذه الحرفة بالسوق، ويعود السبب في ذلك لهبّة من تجار الأقمشة الذين اجتاحوا السوق وبدأوا ببيع الأقمشة اليونانية والتركية ذات الجودة العالية بالجملة، وكان معظم زبائنهم من أهالي مدينة القدس البرجوازيين.

تحول وهجرة
وهكذا تحول اسم السوق من النحّاسين إلى سوق المانيفاتورة أو الخواجات،  وسُمي بسوق بالخواجات لأن معظم ممولي الأقمشة لهذا السوق كانوا من الخواجات (التجار اليونانيين) الذين باعوا الأقمشة لسنوات طويلة لأصحاب الحوانيت العرب.

وتختلف المأساة في هذا السوق عن سائر أسواق البلدة القديمة نظرا لكونه جاء بشكل جانبي ويبعد عن مداخل القدس الرئيسية، مما دفع العديد من أصحاب الحوانيت لهجرها أو تحويلها إلى مخازن للبضائع.

ومما يزيد من معاناة التجار تمركز الاستيطان أعلى السوق وتعرضهم للأذى بشكل مستمر من خلال إلقاء العبوات الناسفة والحجارة من النوافذ الجانبية للسوق، مما اضطر بعض التجار إلى وضع أسلاك شائكة أو إغلاق النوافذ بشكل كامل. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات