ريم الهندي-القدس

"كنت بسأل صديقتي النملة إذا عطشانة، وتقلي لا.. سميتها سوسو، كنت أمشيها على إيدي" هكذا يتذكر الفتى مفيد سعيدة أيامه في زنزانة العزل الانفرادي، إذ اعتقلته قوات الاحتلال من منزله في واد الجوز في القدس لعام كامل، يقول إنه "عام للنسيان".

لشهرين كاملين، لم تتلقَّ فوزية سعيدة أي معلومة عن ابنها مفيد الذي اعتقل وهو طالب في الصف العاشر، بينما كان يتعرض للتعذيب الجسدي والنفسي.

يروي مفيد أن تعذيبه بدأ منذ اللحظة الأولى لاعتقاله من خلال شد قيوده، والادعاء خلال اقتياده إلى أحد مراكز شرطة الاحتلال في القدس بأنه "مخرب كبير ومطلوب لـإسرائيل".

يوضح الأسير المحرر أنه وُضع بالعزل الانفرادي 24 يوما على ثلاث مراحل، في سياق تعذيبه لإجباره على الاعتراف بضرب مستوطن، موضحا أنه كان يحاول تسلية نفسه باللعب من خلال "طبشورة" على الجدران، أو باللعب مع نملة بالزنزانة "وكلما مر الضابط ورآني أسلي نفسي قال: اتركوه فترة أطول في العزل".

اعتقال القاصرين بالقدس زادت وتيرته مع هبّة القدس خلال العام الأخير (الجزيرة-أرشيف)

شتائم وضرب
ويقول مفيد إن جنودا ملثمين وجهوا له شتائم نابية وأوسعوه ضربا منذ اللحظات الأولى لدخوله المعتقل، مضيفا "قلت لهم إنني سأبلغ القضاة بتعرضي للضرب، فأجابني أحدهم ضاحكا: ضربناك في موضع لا يترك أثرا".

وعقد محققو الاحتلال لمفيد جلسات تحقيق استمرت كل منها أكثر من ست ساعات، وضعوا خلالها مسدسا على الطاولة التي فصلت بينه وبين المحقق. وقبل إرساله لأول جلسة محاكمة طلب أحد المحققين منه التوقيع على إقرار بأنه لم يتعرض للضرب، وعندما رفض هددوه باعتقال والده، فقبل.

يبين مفيد أن جنود الاحتلال ضربوه على عينه بعد أول جلسة محاكمة أثناء إعادته لمركز التوقيف، وقد بقيت آثار الاعتداء واضحة في عينه حتى الجلسة التالية، لكن قضاة الاحتلال لم يفعلوا شيئا.

انتهاء فترة التحقيق والعزل الانفرادي لم ينهِ عذابات مفيد، فظروف الاعتقال لاحقا كانت أسوأ، إذ قدمت إدارة سجون الاحتلال له طعاما غير صالح للأكل، يقول "كان البيض لونه أخضر والتونا معفنة، بقيت لأكثر من شهر لا آكل إلا الخبز".

كما رفضت سلطات الاحتلال إدخال الثياب للفتى لأكثر من شهر كامل قضاه في مركز التوقيف "المسكوبية" الذي كان أولى محطاته، قبل نقله إلى مركز "جيفعون" الذي كان أكثر سوءًا، وفق قوله.

أكد مفيد تعرضه للتفتيش العاري عدة مرات خلال اعتقاله (الجزيرة نت)

تفتيش عار
يؤكد  مفيد أنه تعرض للتفتيش العاري عدة مرات في "جيفعون" إضافة لقطع الكهرباء عن القسم والحرمان من الطعام والشراب ساعات طويلة، مشيرا إلى انتقام جماعي يتمثل في العزل الانفرادي والحرمان من المقصف "الكانتين" وتركهم لأسابيع دون طعام بسبب "تصرفات غير مقبولة" من منظور السجانين يقوم بها أحد الأسرى.

لم تكن فترات الزيارة العائلية كافية لتهون على مفيد عذاباته، فإدارة السجون تفصل بين الأسير وأهله بزجاج عازل يلغي كل إمكانية للمصافحة أو العناق، لتبقى سماعة الهاتف وسيلة التواصل الوحيدة والرديئة للجانبين، فالصوت مشوش والأسرى وعائلاتهم كل منهم يرفع صوته محاولا سماع من يحدثه، وإذا انتهت مدة الزيارة قُطع الصوت فجأة لتبقى كثير من الكلمات والأفكار حبيسة داخل الصدور وعلى الشفاه.

بعيدا عن المعتقل، كانت والدة مفيد تقضي أيامها كما لو كان إلى جانبها. تضع وعاء الطعام الخاص به وملعقته في كل جلسة للأكل، وتخبئ حصته من كل وجبة طعام أو نوع من الحلويات في الثلاجة لحين الإفراج عنه.

المصدر : الجزيرة