علي البتيري

علي البتيري

شاعر وكاتب

في هذه الأيام العصيبة التي ينشغل فيها العرب ببعضهم بعضا تتعرض القدس لافتراس استيطاني متزايد يلتف حولها كأخطبوط صهيوني لا يشبع من فريسته ولا يقنع، فمن هدم للمنازل العربية فيها إلى مصادرة مزيد من الأراضي والعقارات وتدشين مشاريع استيطانية ذات طابع ديني، منها إقامة حدائق توراتية، ناهيك عن الأنفاق والحفريات المستمرة التي تتهدد مقدساتها بالانهيار، وفي مقدمة هذه المقدسات المسجد الأقصى المبارك الذي يشهد اقتحاما وراء اقتحام من فرق ومجموعات دينية يهودية متطرفة.

لسان حال القدس المنكوبة بالاحتلال والاستيطان يقول إن الاستيطان أشد وبالا وخطورة من الاحتلال بعسكره وحواجزه ودباباته وبلدوزراته، فهذا كله قابل للإزالة في يوم من الأيام، أما القلاع الاستيطانية التي تنهب الأرض والمساكن وتطرد أصحابها الشرعيين بقوة المصادرة والتهجير القسري فقد تبدو مع مرور السنين والأيام عصية على الإزالة مع استمرار التهويد الذي يجري على قدم وساق، ولن يبقي مع استمراره في النهاية ما يمكن التفاوض عليه.

الأمر الواقع
حين ستبدو مهمة إنقاذ القدس في نظر العرب والمسلمين مهمة شبه مستحيلة عندها -لا قدر الله- ستتكرس وتترسخ سياسة الأمر الواقع التي ينتهجها دهاقنة الاحتلال والاستيطان في القدس وسائر مناطق الضفة الغربية المحتلة.

ها هم حاخامات الاستيطان الإسرائيلي يتمكنون من تسخير الديانة اليهودية بطابعها التوراتي والتلمودي لخدمة أغراضهم وأطماعهم التوسعية منذ أن تداعوا إلى تشكيل مجلس استيطاني أطلقوا عليه اسم الهيئة الروحية للاستيطان

ها هم حاخامات الاستيطان الإسرائيلي يتمكنون من تسخير الديانة اليهودية بطابعها التوراتي والتلمودي لخدمة أغراضهم وأطماعهم التوسعية منذ أن تداعوا إلى تشكيل مجلس استيطاني أطلقوا عليه اسم الهيئة الروحية للاستيطان، وحتى الآن.

فهذا المجلس يعمل باستمرار على جبهتين طامعتين، حيث يقدم على الجبهة الأولى المشورة الاستيطانية للمستوطنين وأباطرتهم المستنفرين على الدوام، بينما يخطط على الجبهة الثانية لإفشال كل طروحات السلام في المنطقة، وذلك بالتنسيق مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي لم تتقاعس واحدة منها عن دعم الاستيطان في الأراضي المحتلة، خاصة بالقدس وما حولها.

ومن الطبيعي أن تنتعش الهيئة الروحية للاستيطان وتشتد شوكتها وتتعاظم امتداداتها وتتزايد في ظل حكومة ليكودية تكون عادة مدعومة من اليمين المتطرف والمتعصب دينيا والمفتوح فمه دائما لابتلاع ونهب المزيد من الأرض الفلسطينية المنكوبة بالاحتلال.

وقد بلغت معاناة القدس وأهلها ومقدساتها الذروة في ظل حكومة نتنياهو الحالية التي تسمي الضفة الغربية بأكملها "أرض يهودا والسامرة" نافية عنها أي صفة عربية أو إسلامية.

تعاظم الاستيطان
ومن هنا، فإن شياطين الاستيطان وأعوانهم يسرحون ويمرحون من دون وازع أو رادع، حيث يتعاظم إعصارهم الاستيطاني فيمتد ويشتد وينذر بطوفان يتهدد بيت المقدس بالغرق، من دون أن تجد القدس جبلا عربيا تلوذ به، أو تأتي لها "سفينة نوح فلسطين" بنجاة وإنقاذ.

ها هم دهاقنة الاستيطان وحاخاماتهم المتعصبون المتطرفون يقرعون أجراس أطماعهم ليل نهار غير مبالين بكسر حاجز الصمت العربي، متوعدين على الرغم من انتفاضة القدس الفلسطينية بحرب استيطانية قادمة لها ما لها من تجييش وتصعيد، وللاستيطان التهويدي في مدينة القدس وما حولها قوى دعم رسمي من حكومة الاحتلال، كما أن له مخططاته وموجاته المتعاقبة وبلدوزراته التي يسيل لعابها على الأخضر واليابس فوق جبال القدس وروابيها، كما هو شأن الاستيطان في سائر مناطق الضفة الغربية المحتلة من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، حيث المستوطنات المنتشرة كالخلايا السرطانية تشهد على ذلك.

ها هو النزاع على أشده، والاستيطان في أوجه، مما بات يشكل الخطر الأكبر على مشروع السلام المجمد وعلى القضية الفلسطينية برمتها وعلى مصير القدس وعروبتها لا بل على مصير المنطقة العربية بأسرها

قوة المستوطنين
لعل ما يجري على الأرض العربية في فلسطين الآن يستدعي منا بالضرورة أن نستذكر ونتذكر قول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية أليهود سبرنزاك في بداية التسعينيات من القرن الماضي: إن المستوطنين يسيطرون على قوة سياسية ضخمة، وبمقدورهم أن يشعلوا نزاعا لعله من أخطر النزاعات نزفا لإسرائيل منذ بداية الحركة الصهيونية.

ها هو النزاع على أشده، والاستيطان في أوجه، مما بات يشكل الخطر الأكبر على مشروع السلام المجمد وعلى القضية الفلسطينية برمتها وعلى مصير القدس وعروبتها لا بل على مصير المنطقة العربية بأسرها.

في الجهة المقابلة لأجراس حاخامات الاستيطان وأتباعهم، والتي أصبح قرعها المتواصل يصم الآذان نرى القدس المثخنة الجراح صامدة صابرة بعزيمة أهلها وتضحيات شبابها، وهي ما زالت قادرة على أن ترفع يدها عاليا لتدق ناقوس الخطر لعل من يهمهم أمرها ما زالت لديهم قدرة على أن يسمعوا ويعوا قبل فوات الأوان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك