أسيل جندي-القدس

طغت العنصرية والتطرف على تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين في السنوات الأخيرة، إلا أن وتيرة تطرفها تصاعدت مع اندلاع هبة القدس وتنفيذ الفلسطينيين عمليات ضد الاحتلال وقواته ومستوطنيه في القدس المحتلة، ولعلّ تصريح مائير ترجمان نائب رئيس بلدية الاحتلال بالقدس بعد عملية إطلاق النار في حي الشيخ جراح كانت أبرزها.

فقد قال ترجمان ‏"عشنا على أمل كاذب أننا إذا ساعدنا أهل القدس الشرقية سيغيرون تصرفهم كالبهائم، ويتحدث البعض عن سياسة العصا والجزرة، لم يتبق جزر فقط عصي، لقد أمرت بإيقاف مخططات بناء للفلسطينيين في شرق القدس". وطالب بطرد عائلة منفذ العملية من القدس قائلا "يجب أن نضعهم في حافلة ونرسلهم إلى غزة".

ويترأس ترجمان لجنة التخطيط والبناء في بلدية الاحتلال التي تمتنع عادة عن منح تراخيص بناء للفلسطينيين شرقي القدس، وتطالبهم بدفع مبالغ خيالية إذا تمت الموافقة على إصدارها، في حين تُمنح التراخيص للإسرائيليين بسهولة في الشق الغربي من المدينة.

بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى التي ترفض بلدية الاحتلال منح تراخيص بناء للمقدسيين فيها (الجزيرة)

تراخيص عنصرية
وحسب تقرير منظمة بمكوم التابعة لحزب ميرتس اليساري الإسرائيلي، فإن بلدية القدس وافقت خلال السنوات الخمس الماضية على نحو 900 طلب ترخيص بناء للمقدسيين بنسبة لا تتجاوز 7% من مجمل الطلبات المقدمة، ومنحت بغالبيتها لمنطقة بيت حنينا شرقي القدس، مقابل منح ما يقارب 12 ألف تصريح بناء للإسرائيليين بالمدينة.

ولا يقتصر تضييق بلدية الاحتلال على حرمان الفلسطينيين من تراخيص البناء، بل يتعداه لإهمال تطوير البنية التحتية شرقي المدينة ووضع عراقيل فيما يخص شروط ملكية الأراضي.

ويرى المستشار الإعلامي المختص في الشأن الإسرائيلي محمد مصالحة أن تصريحات ترجمان تأتي في إطار الرواية الإسرائيلية الحديثة القديمة المبنية على تشويه صورة الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي، ووصفه بشكل دائم بالمخرب والمجرم والكاره للعلم والحياة.

ويصنّف مصالحة تصريحات ترجمان في خانة تضميد أوجاع الإسرائيليين الذين دبّ فيهم الرعب بسبب تدهور الحالة الأمنية، لافتا لتخبط المسؤولين وتصريحاتهم نتيجة الفشل في إيجاد حل لعمليات الطعن والدعس وإطلاق النار حتى الآن.

مجموعة من المستوطنين المتطرفين أثناء تنظيمهم مسيرة في البلدة القديمة بالقدس (الجزيرة)

تثبيت الرواية
ووفقا لرأي مصالحة، فإن الرواية الإسرائيلية التي أسست للحق التاريخي والديني لليهود في فلسطين، بدأت منذ أربعينيات القرن الماضي مع تسلل قيادة منظمتي الهاجاناه وإيتسل، اللتين ترجمتا هذه الرواية لإجراءات محسوسة تتمثل في سياسة التطهير العرقي والقتل والتهجير ومقولة إن العربي الفلسطيني الجيد هو العربي الفلسطيني الميت، وهكذا رددوها لأجيال حتى يومنا هذا.

وتسجل تلك الروايات عادة في الكتب المدرسية التي يضعها كل مجتمع كجزء من عملية تعليم الأطفال وتنشئتهم اجتماعيا، وفي الحالة الفلسطينية يدفع الأطفال والبالغون ثمن الحقد والكراهية التي تُغذي بها المناهج الإسرائيلية أذهان الجيل الناشئ.

ولليهود الحريديم "المتشددين" نظام تعليم خاص، ويزيد عدد المدارس في هذا النظام عن 1200 مدرسة بما نسبته 35% من مجموع المدارس، وهي لا تتبع لوزارة المعارف الإسرائيلية، ويُعتبر الحصول على نسخ من الكتب المدرسية لليهود الحريديم أمرا مستحيلا، وهي تصور العرب بشكل بشع جدا، وترسخه في أذهان أطفال المتدينين الإسرائيليين.

وتحاول المناهج الإسرائيلية إنكار الآخر بشكل كبير حيث تطلق مصطلح المواطنين أو العرب على الفلسطينيين، لأن ذكر كلمة الفلسطينيين لها بعد تاريخي وجغرافي وإسرائيل غير معنية بإثارته بين الطلبة.

وتُلقي قوة تأثير الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية بظلالها على حجم ميزانيات الدعم المالي للمدارس والمعاهد الدينية في إسرائيل، التي تبث ثقافة الكراهية والحقد ضد العرب والفلسطينيين واليسار الإسرائيلي.

ويلاحظ حجم التركيز الكبير على المضامين التي تُدرس لطلبة المرحلة الابتدائية حيث يتم تلقين الأطفال عن الحق التاريخي والديني الممنوح من الله لشعب إسرائيل من النهر إلى البحر، وأنه لا وجود لحق تاريخي شرعي للفلسطينيين، ويتم عرض العربي في الصور المرفقة بالدروس بشكل بشع حيث يملك أنفا ضخما وشعرا أشعثا، ويمشي دائما مع قطيع من الدواب.

وهكذا يعيش الفلسطينيون تحت وطأة حقد وكراهية المناهج الإسرائيلية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم اليمينيون المتطرفون، التي تتحول أحيانا من مجرد فقاعات إعلامية لإجراءات عقاب جماعي للشعب بأسره.

المصدر : الجزيرة