محمد أبو الفيلات-القدس

على جبل البهجة في الشمالي الغربي لمدينة القدس، يأسرك مشهد يبقى يرافقك طيلة توجهك من مركز المدينة إلى شمالها، فمسجد النبي صموئيل -الذي يبلغ من العمر ثمانية قرون- يقف كمنارة تشد نظر كل من يشاهدها سواء من بعيد أو من قريب، فلشدة علّوها لا يمكن لمبان كثيرة أن تخفيها عن الأنظار.

وإذا ما قررت أن تذهب لتكتشف المسجد عن قرب، فإنك حتما ستمر بمستوطنة رموت أو مستوطنة بسغات زئيف، وذلك بحسب الجهة التي ستتوجه إليه منها، فمسجد النبي صموئيل وقريته أحيطت بأربع مستوطنات عزلته عن كل ما هو عربي بمدينة القدس.

وإذا ما اقتربت من الجامع ستجده شبه مهجور من الفلسطينيين، ويأمّه عشرات المستوطنين الذين يتخذون طابقه السفلي كنيسا بذريعة أن قبر النبي صموئيل موجود في مغارة أسفل المسجد، بينما طابقه العلوي الذي يستخدم مسجدا حتى الآن لا يفتح إلا عند موعد الصلاة ويغلق مباشرة بعد أدائها خوفا عليه من اعتداءات المستوطنين.

وإلى الشرق من المسجد تقع قرية صغيرة سميت بقرية النبي صموئيل، وهي إحدى القرى المقدسية المهمشة والتي تحولت بعد إقامة الجدار الفاصل حولها عام 2011 إلى ما يشبه سجنا صغيرا، يمنع سكانها من الخروج منها إلى بتصريح من الاحتلال، كما يمنعهم من إدخال متطلباتهم الغذائية إلا بكميات قليلة لا تكفيهم إلا ليوم أو اثنين.

عيد بركات: ما الذي لا نعانيه في هذه القرية؟ (الجزيرة)

المقدسي عيد بركات وهو أحد سكان القرية تبسم ابتسامة يملؤها الحزن عندما طلبت منه أن يحدثني عن معاناتهم من الاحتلال، وقال "ربما لو سألت السؤال بطريقة أخرى لكان أفضل، مثل ما الذي لا تعانوه في هذه القرية؟".

قرية النبي صموئيل التي تبلغ مساحتها 4500 دونم، لا يستطيع أهلها البالغ عددهم 170 نسمة أن يزرعوا أراضيهم الممتدة على سفح جبل البهجة، كما لا يسمح لهم بالبناء رغم اتساع مساحة القرية، إذ يمنعهم الاحتلال من زيادة وحداتهم السكنية التي لا تزيد عن عشرة تجمعات ممتدة على مساحة لا تتجاوز المئة دونم.

في العام 1971 قامت قوات الاحتلال بهدم أول توسعة في أحد المنازل في القرية، واستمرت في سياسة الهدم حتى يومنا هذا، كما يقول عيد بركات، مبينا "حتى لو كانت التوسعة عبارة عن حمام أو كرفان سكني صغير يقوم الاحتلال بهدمه، في سبيل تهجير السكان من القرية التي يعتبرها الاحتلال منطقة إستراتيجية كونها تطل على مدينة القدس بكاملها، ويصل مدى الرؤية بها في أيام الصيف إلى البحر الأبيض المتوسط".

وفي سبيل التضييق على السكان، يمنع الاحتلال إدخال احتياجاتهم من المأكل والغاز إلا بكميات محدودة، فحاجز قرية الجيب الذي يفصل القرية عن الضفة الغربية يمنع من يزيد حمله عن بعض الكيلوغرامات من إدخاله، كما يمنع الدخول إلى مدينة القدس رغم عدم وجود حاجز يفصلهم عنها، وإذا رصدت كاميرات المراقبة أي متسلل منهم يدخل المدينة فإنه يسجن لمدة سبعة أشهر.

الاحتلال هدم كل المنازل المحيطة بمسجد القرية بحجة البحث عن آثار (الجزيرة)

ويؤكد سكان القرية أن السلطة الفلسطينية تساهم في معاناة أهل القرية، فهي لا توفر لهم عددا كافيا من الفصول الدراسية داخل القرية، مما يضطر الطلاب الذين يصل عددهم خمسين طالبا إلى التوجه للدراسة في قرى الضفة الغربية، فمدرسة القرية تتكون من ستة فصول للمرحلة الابتدائية فقط، يدرس فيها 18 طالبا، ثمانية منهم من القرية والبقية من حي الخلايلة القريب من القرية.

كما أن السلطة الفلسطينية لا توفّر طاقم بلدية يعمل على تنظيف حاويات القمامة إلا مرة في الشهر، مما يؤدي إلى تراكم النفايات في الشوارع، بحسب عيد بركات.

المقدسي رياض يوسف يقول للجزيرة نت إن ما تتعرض له القرية اليوم من هدم لا يقارن مع ما حصل عام 1971، إذ قامت قوات الاحتلال بإخراج سكان القرية المجاورين للمسجد عنوة من بيوتهم، ونقلهم إلى بيوت القرية الفارغة الذين هجروا أهلها منها عام 1967، وباشرت بهدم كل البيوت المحيطة بالمسجد بحجة البحث عن آثار إسرائيلية لم يجدوا منها شيئا حتى الآن.

ويضيف يوسف أن قرية النبي صموئيل كانت قبل احتلالها واحدة من أهم القرى الزراعية في مدينة القدس، إذ كانت تشتهر بزراعة الخضروات والحبوب، وأكثر ما كانت تشتهر به هو السمسم الذي كان يصدر إلى الدول العربية، موضحا أنهم الآن لا يستطيعون زراعة أراضيهم بينما يقوم المستوطنين بزراعتها دون حسيب ولا رقيب.

المصدر : الجزيرة