أسيل جندي-القدس

"خلال مكوثي في العزل الانفرادي اشتقت لتفاصيل بديهية، كأن أرى وجهي في المرآة لأنني خشيت حينها أن أنسى شكلي، كانت الوحدة قاتلة لدرجة أنني تبادلتُ الحديث مرارا مع نملة تمشي داخل الزنزانة لكسر الروتين القاسي، وحُرمت مرارا من وجبات الطعام، واعتدت على شرب الماء من صنبور دورة المياه داخل الزنزانة".

هذه بعض تفاصيل 12 يوما قضتها الصحفية المقدسية المحررة سماح دويك داخل زنزانتها الانفرادية في سجن الرملة، التي زُجّت بها بعد اعتقالها في العاشر من أبريل/نيسان الماضي بتهمة التحريض على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

18 منشورا كتبتها دويك في صفحتها الشخصية على موقع فيسبوك كانت كفيلة باقتحام عشرات عناصر المخابرات والقوات الخاصة الإسرائيلية منزلها في حي راس العامود بالقدس مساء، وتفتيشه بالكامل وتسليمها أمرا باعتقالها ليتم اقتيادها فورا لمركز تحقيق المسكوبية في القدس.

شهيد وبطل
خضعت دويك لثلاثة تحقيقات بمجموع 48 ساعة، ركّز خلالها المحققون على عبارة "الشهيد البطل" التي وردت في بعض منشوراتها، معتبرين ذلك تمجيدا للشهداء وحثّا للشباب على تنفيذ عمليات ضد الاحتلال في مدينة القدس.

video

في حديثها للجزيرة نت عن التحقيق الذي خضعت له قالت الصحفية المحررة سماح دويك "اقتبستُ في بعض منشوراتي مقتطفات شعرية لمحمود درويش وعبارات من روايات قرأتها وتعجبتُ أنهم أدانوني بالتحريض على العنف من خلالها".

واستهجنت الصحفية دويك أن تكون بضعة حروف يكتبها الإنسان على موقع افتراضي سببا في إدانته وزجّه بالسجن، فليس هناك ما يُرهب في هذه الحروف ويهز أمن دولة، حسب تعبيرها.

وبعد عدة جلسات في محكمة الصلح بالقدس للصحفية دويك حاولت النيابة العامة تحويلها للحبس المنزلي، لكنها رفضت هذا الإجراء، وقالت "لم أقبل المساومة على حريتي لأن الاحتلال هو الذي سلبها باعتقالي، ورفضتُ تماديه بذلك بجعل والدي سجانَين علي، لذا فضلتُ السجن الفعلي على الحبس المنزلي، وبالفعل حُكم علي بالسجن ستة شهور قضيتها في سجن هشارون".

وهكذا تحولت دويك من صانعة للخبر إلى الخبر ذاته. وعن تجربتها الاعتقالية قالت "قابلتُ خلال عملي الصحفي أسرى محررين، وسمعت تجاربهم، لكنّ الأمر كان مختلفا عندما خضتُ هذه التجربة التي حاولت تحويلها من محنة إلى منحة؛ فكل دقيقة داخل الأسر جعلتني أفكر في ما فعلته وأنجزته خلال 25 عاما، وأنا محررة من القيود لأنني شعرتُ بقيمة الحرية عندما فقدتها فقط".

تنقلت دويك في "البوسطة" (الحافلة التي تُقل الأسرى للمحاكم) 12 مرة، وأشارت إلى العذاب الذي يرافق هذه الرحلة بقولها "تبدأ معاناة الأسير في صعوبة الصعود للبوسطة لأنه مكبل القدمين واليدين بالأصفاد الحديدية، مرورا بالجلوس على مقعد حديدي في زنزانة حديدية مصفحة لفترة طويلة، وانتهاء بجلسة محاكمة ظالمة يعود بعدها الأسير منهك القوى لينام من شدة التعب وصعوبة الرحلة".

تحدثت سماح دويك عن مأساة الأسيرات القاصرات في سجون الاحتلال خاصة المصابات منهن (الجزيرة نت)

وعن يوميات الأسيرات في سجون الاحتلال قالت دويك إن يوم الأسيرات يبدأ بين الخامسة والسادسة صباحا عندما يتجول السجّانون بين الغرف لعدّهن، والتأكد من وجودهن جميعا في الزنازين، وقبل فتح الزنزانة بهدف العد يتوجب على جميع الأسيرات الوقوف، وفي حال عدم انصياع أي منهن لهذه الأوامر يتم عقابها بالعزل الانفرادي.

الزيارة يوم الزينة
وفي تمام الثامنة صباحا يتم إخراج جميع الأسيرات إلى ساحة صغيرة بهدف تفتيش الغرف وفحصها، ويتم ذلك صباح ومساء كل يوم، وفي تمام العاشرة تفتح زنازين القسم على بعضها وتتجول الأسيرات به بهدف تنظيفه وغسل الملابس وتحضير وجبة الغداء، ويتم إغلاق الزنازين مع حلول غروب كل يوم لتعود كل منهن لسريرها حتى صباح اليوم التالي.

وأشارت دويك إلى مأساة الأسيرات القاصرات في سجون الاحتلال، خاصة أولئك المصابات منهن، إذ لا تقدم لهن الرعاية الطبية اللازمة، ويقتصر علاجهن على تناول المسكنات فقط.

وتطرقت دويك لزيارات السجن، ووصفت فرحة الأسيرات بيوم الزيارة بأنها تفوق فرحتهن بحلول الأعياد، وقالت "تلبس الأسيرات أجمل ما لديهن في يوم الزيارة ومن شدة لهفتهن للقاء الأهل لا تتمكن معظمهن من النوم ليلتها وتمدّهن الزيارات بطاقة إيجابية تستمر أياما".

تحررت الصحفية سماح دويك من قضبان سجون الاحتلال تاركة خلفها أكثر من سبعة آلاف أسير بينهم 24 صحفيا و55 أسيرة، 14 منهن مقدسيات وخمس قاصرات.

المصدر : الجزيرة