محمد أبو الفيلات-القدس

تعد هبة القدس التي انطلقت مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2015 والمستمرة حتى يومنا هذا بوتيرة متأرجحة بين الغليان والهدوء النسبي، أحدث الهبات التي أطلقها الفلسطينيون لمناهضة الاحتلال وسياساته. 

وتميزت هبة 2015 بأنها فردية على الأغلب وعفوية وتلقائية التنفيذ، استخدمت في أغلب عملياتها أسلحة بيضاء، في ظرف وصلت فيه الحالة الفلسطينية إلى اليأس والاحتقان وانعدام الأفق بسبب سياسات السلطة الفلسطينية والاحتلال، وفق محللين.

واستخدم الفلسطينيون في الهبة أدوات بسيطة غالبيتها من الأسلحة البيضاء كالسكاكين، وتطورت في بعض الأحيان إلى أسلحة بعضها محلي الصنع كمسدس الكارلو، كما استخدام الفلسطينيون سياراتهم في عمليات دعس لجنود الاحتلال ومستوطنيه، فأسفر كل ذلك عن مقتل وجرح العشرات منهم.

عبد الهادي: الشباب الذين انطلقوا في الهبة كانوا في غالبيتهم من جيل ما بعد اتفاقية أوسلو (الجزيرة نت)

رد بالنار
أما الاحتلال فرد بالنار وانتهج سياسة الإعدام الميداني مما أدى إلى ارتقاء 250 شهيدا من مختلف المدن الفلسطينية في الداخل ومدن الضفة الغربية والقدس، وبلغ عدد الشهداء المقدسيين في هذه الهبة 55.

ويقول رئيس الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية في القدس مهدي عبد الهادي إن الشباب الذين انطلقوا في الهبة كانوا في غالبيتهم من جيل ما بعد اتفاقية أوسلو التي أبرمتها السلطة الفلسطينية مع الاحتلال عام 1993، وهو جيل أراد إثبات أن لا جدوى من المفاوضات مع الاحتلال طالما أن اعتداءاته مستمرة على مقدساتهم وأرضهم.

ويضيف أن محاولات إقصاء المجتمع الفلسطيني عن أرضه مستمرة منذ نحو خمسين عاما، وذلك عن طريق هدم البيوت وحصار الأحياء والاعتقال والتعذيب، وتشويه ثقافته العربية والإسلامية وتدنيس مقدساته ومحاولة تهويدها وأسرلتها، مشيرا إلى ما عاشه المسجد الأقصى في السنوات الأخيرة من اقتحامات متكررة من قبل المستوطنين ومنع المسلمين من الصلاة فيه، وبالتالي إلى استثارة الشاب الفلسطيني لحماية هويته الوطنية ورموزه الدينية.

ووفق الأكاديمي والباحث الفلسطيني فإن الفلسطينيين وصلوا إلى حالة من الاحتقان والغضب الداخلي بسبب قيادتهم السياسية، "فأرادوا الثورة على الأوهام التي أغرقتهم بها قيادتهم، ولم يروا منها شيئا كقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ورفع الحصار عن قطاع غزة ووقف الاستيطان ومصادرة الأراضي والممتلكات".

وتابع أن الفلسطينيين لم يروا من هذه الوعود إلا مزيدا من التنازلات الفلسطينية للاحتلال مقابل مزيد من التهويد والحصار.

ويرجح مهدي عبد الهادي استمرار هبة القدس طالما أن الاحتلال مستمر في احتلاله، مبينا أن "ثقافة المقاومة عند الفلسطينيين تتمثل في ثلاث أدوات وهي: العِلم الذي يعدّه الفلسطيني سلاحا للبقاء، والوطن وهو سلاح الانتماء، وأدوات المجابهة والاشتباك، "فجيل المقاومة الجديد جيل متعلم ومثقف وينتمي لوطنه ومتسعد للتحدي والاشتباك مع محتله".

مفيد: القدس رمز لكل فلسطيني فإذا ما تعرضت لأي عدوان فهو يدافع عنها (الجزيرة نت)

عوامل ومسببات
من جهته يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الحكيم مفيد أن العامل الرئيسي في اندلاع الهبات الفلسطينية يتمثل في حالة الاحتقان والاستنفار الأمني والضغط السياسي الكبير في ظل محاولات من المؤسسات الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى بين المستوطنين والمسلمين ونزع شرعيته الإسلامية.

ويوضح مفيد أن القدس رمز للكل الفلسطيني "فإذا ما تعرضت لأي عدوان فهو يدافع عنها"، مضيفا أن الفلسطينيين وصلوا حالة من اليأس والاحتقان وانعدام الأفق "بسبب سياسات السلطة الفلسطينية التي وضعت الفلسطينيين في موقع المهزوم والخاضع لقرارات الاحتلال، في سبيل تحقيق السلام المزعوم، مما دفع الفلسطينيين إلى إيصال رسالتهم الرافضة للخنوع لعدوهم". 

ويبين الكاتب الفلسطيني أنه رغم عدم امتلاك الشعب الفلسطيني القوة المكافئة للاحتلال "فإنه ينتصر دائما، إذا ما جعلنا معيار الانتصار هو الصمود"، مضيفا أن هدف الاحتلال وإجراءاته وسياساته "هو تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، وبما أنها تخسر دائما في تحقيق ذلك وينجح الفلسطيني في ثباته في أرضه فإنه يبقى المنتصر".

المصدر : الجزيرة