الرحلات الفضائية وأزمة إنتاج البلوتونيوم
آخر تحديث: 2015/4/28 الساعة 16:53 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/10 هـ
اغلاق
خبر عاجل :رويترز: 39 قتيلا في غارة للتحالف العربي استهدفت معسكرا للشرطة في صنعاء
آخر تحديث: 2015/4/28 الساعة 16:53 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/10 هـ

الرحلات الفضائية وأزمة إنتاج البلوتونيوم

صورة توضيحية للمسبار فوياجر-1 الذي استخدم البلوتونيوم لتوليد الطاقة في رحلته التي استمرت نحو 38 عاما (رويترز)
صورة توضيحية للمسبار فوياجر-1 الذي استخدم البلوتونيوم لتوليد الطاقة في رحلته التي استمرت نحو 38 عاما (رويترز)

المهندس أمجد قاسم*

في عام 1977 أطلقت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مسبار الفضاء "فوياجر-1" لاكتشاف كواكب المجموعة الشمسية، ثم للتوجه نحو فضاء ما بين النجوم المتجمد المجهول في رحلة لم يسبق القيام بها من قبل. وخلال رحلة هذا المسبار التي امتدت لنحو 38 عاما، تم إرسال كم هائل من المعلومات والصور التي لا تقدر بثمن للعلماء الذين يسعون لاكتشاف مجاهيل الكون.

هذه الرحلة الأسطورية للمركبة "فوياجر-1" التي قطعت فيها مسافة 18 مليار كيلومتر، لم تكن لتتحقق لولا وجود مصدر طويل الأمد من الطاقة لتشغيل أجهزة تلك المركبة وإرسال الإشارات اللاسلكية إلى الأرض والناقلة للمعلومات الفلكية العالية الأهمية، والفضل في ذلك يعود إلى العنصر الكيميائي الخطير والسام "البلوتونيوم-238".

بداية القصة
بدأت قصة البلوتونيوم في أحد مختبرات الأبحاث بجامعة كاليفورنيا عندما اكتشف الباحثون عنصرا كيميائيا جديدا شديد الكثافة والإشعاع، ثقيلا جدا وأكثف من عنصر الرصاص بنحو 1.74 مرة، عدده الذري 94 وقابل للانشطار وإنتاج الطاقة، فأطلقوا عليه اسم "بلوتونيوم" ومنحوه الرمز الكيميائي "Pu".

يكاد يكون عنصر البلوتونيوم غير موجود في القشرة الأرضية، ويتم الحصول عليه عن طريق قذف اليورانيوم بالنيترونات في المفاعلات النووية

لم يكن الباحثون الذين اكتشفوا البلوتونيوم عام 1940 يتوقعون مدى أهمية اكتشافهم لهذا العنصر، فبعد دراسة خصائصه الكيميائية والفيزيائية تبين لهم أنهم أمام عنصر يحمل الخير الوفير للبشرية، وكذلك الدمار والفناء للإنسانية.

ويكاد يكون عنصر البلوتونيوم غير موجود في القشرة الأرضية، ويتم الحصول عليه عبر قذف اليورانيوم بالنيترونات في المفاعلات النووية، حيث تكتسب ذرة اليورانيوم عددا ذريا إضافيا للتحول إلى بلوتونيوم.

بين الخير والشر
يتميز هذا العنصر بقدرته العالية على الانشطار، لذلك يُستخدم أحد نظائره وهو "البلوتونيوم-239" في إنتاج الأسلحة النووية التي تتسبب بدمار شامل للمناطق التي تدكها بسبب الطاقة الهائلة المتحررة والإشعاعات المميتة الصادرة عنها. كما يستخدم البلوتونيوم في المفاعلات النووية لتوليد كميات هائلة من الطاقة.

لقد استرعى عنصر البلوتونيوم انتباه علماء الفضاء منذ ستينيات القرن الماضي كمصدر للطاقة الطويلة الأمد لتشغيل المركبات الفضائية التي تقطع مسافات شاسعة في الفضاء مبتعدة عن الشمس. وتعتمد فكرة استخدام "البلوتوينوم-238" لتشغيل أجهزة المركبات الفضائية، على عملية انحلال هذا العنصر البطيئة لإنتاج حرارة، وهذه الطاقة الحرارية المتولدة يتم تحولها إلى طاقة كهربائية تكفي لتشغيل أجهزة المركبة الفضائية لفترات زمنية طويلة.

ومن المركبات الفضائية التي تم تزويدها بالبلوتونيوم-238 كوقود، مركبة "غاليلو" التي اكتشفت كوكب المشتري، ومسبار "بايونير" ومسبار "فوياجر-1" سفير البشرية إلى الفضاء الخارجي، وكذلك المركبة المدارية "كاسيني" التي استطاعت اكتشاف بحيرات الميثان والينابيع الجليدية على سطح "تيتان"، أحد أقمار كوكب زحل.

معضلة البلوتونيوم
يتم تصنيع البلوتونيوم-238 في المفاعلات النووية، ويبلغ الإنتاج اليومي من هذا العنصر نحو غرام واحد فقط، ولذلك فإن هذه المادة غالية الثمن إذ يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد نحو ستة ملايين دولار. وفي عام 1988 توقفت الولايات المتحدة عن إنتاجه، مما اضطر وكالة ناسا إلى استيراده من روسيا. وتوقفت هذه الإمدادات عام 2009 لتناقص المخزون الروسي ولخلافات في عقد البيع، علما بأن ناسا تمتلك حاليا نحو خمسة كيلوغرامات فقط منه، وهذه الكمية بالكاد تكفي المركبات الفضائية التي سيتم إطلاقها خلال العقد الحالي.

رغم سعي وكالة ناسا ووزارة الطاقة الأميركية لإعادة إنتاج البلوتونيوم-238، فإن الكونغرس الأميركي يرفض تحمل التكاليف الطائلة لإنتاجه، أضف إلى ذلك أن تصنيعه سيستغرق عدة سنوات

إن استكشاف أجرام المجموعة الشمسية مرهون حاليا بمدى توفر عنصر البلوتونيوم-238 الباعث لجسيمات ألفا والذي له "عمر نصفي" يبلغ 87 عاما. (عمر النصف هو المدة الزمنية اللازمة لإنخفاض النشاط الإشعاعي لأي عنصر مشع إلى النصف، والتي تتراوح بين بضعة ثوان إلى آلاف السنوات تبعا لنوع العنصر المشع).

ورغم سعي ناسا ووزارة الطاقة الأميركية لإعادة إنتاج هذا العنصر الهام، فإن الكونغرس الأميركي يرفض تحمل التكاليف الطائلة لإنتاجه، أضف إلى ذلك أن تصنيعه سيستغرق عدة سنوات.

ونتيجة لذلك اقترح عدد من الفيزيائيين طريقة جديدة لإنتاج البلوتونيوم-238 لتلبية حاجات وكالة الفضاء من هذا العنصر الخطير والهام، حيث اقترحوا وضع بضعة غرامات من عنصر النبتونيوم-237 في كبسولات صغيرة توضع داخل مفاعل لعدة أيام، فتتكون كميات صغيرة جدا من البلوتونيوم-238 الذي يتم فصله وتنقيته كيميائيا، ثم تكرر عملية وضع الكبسولات في المفاعل من جديد لآلاف المرات للحصول على كمية البلوتونيوم-238 المطلوبة.

وتتميز هذه الطريقة بعدم حاجتها إلى مفاعلات كبيرة لتصنيعه، كما أنها تنتج نفايات نووية قليلة، وهي ذات كلفة مادية أقل من الطرق القديمة التي كانت متبعة لإنتاج البلوتونيوم-238. وقد قدمت ناسا لفريق البحث في مركز البحوث النووية الفضائية الذي اقترح هذه الطريقة منحة مالية بلغت مائة ألف دولار لتطويرها وتصميم أول نموذج خاص لإنتاج هذا العنصر الهام وتنقيته ليكون صالحا للاستخدام في المركبات الفضائية المزمع إطلاقها مستقبلا لاكتشاف الكون.

إن إعادة إنتاج البلوتونيوم-238 تثير كثيرا من الاعتراضات، فهذه المادة على درجة عالية من السمية، كما أن استخدامها في المركبات الفضائية قد يشكل خطرا على الأرض في حال وقوع حادث أثناء عمليات الإطلاق، إلى جانب أن المادة المقترح استخدامها لإنتاجه (النبتونيوم-237) لها استخدامات في صناعة الأسلحة النووية، وبالتالي فإن استخدام تلك المادة سيقدم الدعم للصناعة النووية، وهذا بدوره يقدم دعما غير مباشر لبرامج التسلح النووي.

من جانب آخر، فإن استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل المركبات الفضائية المتوجهة لاكتشاف الكواكب الخارجية يعد حاليا أمرا صعبا، نظرا للانخفاض الشديد في مقدار الطاقة الشمسية في تلك المناطق البعيدة، وقلة كفاءة الخلايا الشمسية المستخدمة حاليا، فالطاقة التي يمكن توليدها من الشمس من متر مربع واحد من الخلايا الشمسية الموجودة في مدار الأرض، يلزم بناء خلايا شمسية بمساحة ألفي متر مربع في مدار كوكب بلوتو لتوليد نفس كمية الطاقة، وهذا أمر تنفيذه بالغ الصعوبة، لذلك تتجه الأنظار الآن نحو تطوير خلايا شمسية مصنوعة من مواد جديدة خفيفة الوزن وعالية الكفاءة، مع تخفيض حاجة المركبات الفضائية إلى الطاقة اللازمة لتشغيلها.
__________________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

المصدر : الجزيرة