المهندس أمجد قاسم*

في الأول من مايو/أيار 2014 انضم العنصر رقم 117 إلى عناصر الجدول الدوري الذي اكتشف عام 2010 حيث بينت التجارب وجوده، ومن أهمها تلك التي أجريت في مركز "هيلمهولتز" لأبحاث الأيونات الثقيلة بألمانيا. وقد منح خبراء الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية هذا العنصر اسم "أنونسيبتيوم" والرمز "Uus" مؤقتا.

عنصر فائق الثقل
منذ القرن الماضي، تم استعمال مسرعات الجسيمات لإجبار أنوية الذرات الثقيلة على التصادم وإنتاج عناصر كيميائية فائقة الثقل، وهذه العناصر تقع في الجدول الدوري بعد عنصر لورنسيوم (103)، حيث تم إنتاج عنصر الرذرفورديوم (104) وعنصر الدوبنيوم (105).
 
أما العنصر المراوغ 117، فقد تم التعرف عليه اعتمادا على ست ذرات فقط، فهذا العنصر غير مستقر ويتحلل خلال جزء من الثانية إلى عناصر أخرى أخف وزنا، إذ يبلغ عمره النصفي 80 ملي ثانية، وهي الفترة الزمنية اللازمة لتحلل نصف المادة النشطة إشعاعيا وتنتج مواد أخرى، وهي تختلف من عنصر مشع إلى آخر وتتراوح بين أجزاء من الثانية ومئات آلاف السنوات.

يعود الفضل في اكتشاف العنصر 117 إلى تعاون فريق من علماء الفيزياء الأميركيين والروس في المعهد المشترك للأبحاث النووية "جي.آي.أن.آر"، وإلى تعاون عدد من مراكز الأبحاث العالمية، كمركز "جي.أس.آي" في ألمانيا ومختبر "أوك ريدج" الوطني في أميركا، حيث تم تحضير المادة الرئيسة لاصطناع العنصر 117، وهي مادة البركيليوم (Bk) وتم تشعيعها نيوترونيا باستخدام مفاعل التدفق المرتفع للنظائر، وأجريت عليها عملية الفصل والتنقية في مركز تنمية هندسة الكيمياء الإشعاعية الموجود أيضا في مختبر أوك ريدج الوطني. وبعد الحصول على النظير Bk-249 عالي النقاء، نقل 13 ملغ منه إلى جامعة ماينتس الألمانية، حيث استطاع الباحثون الحصول على عدد من ذرات العنصر 117 بعد إطلاق ذرات من نظائر الكالسيوم على أهداف من ذرات نظير البركيليوم المشع في مفاعل "جي.أس.آي".

ويبين مدير مختبر أوك ريدج الوطني ثوم ماسون أن إنتاج هذا العنصر تم بفضل التعاون الدولي في مجال العلوم والأبحاث المتقدمة حول العناصر فائقة الثقل، حيث تمت الاستفادة من إمكانيات وخبرات المختبرات الوطنية ومراكز الأبحاث في ألمانيا والولايات المتحدة.

الجدول الدوري للعناصر

اصطناع العنصر 117 أبرز إنجاز كيميائي تم تحقيقه في هذا العقد من القرن الحادي والعشرين
مع اصطناع العنصر 117 يكون الصف الأخير من الجدول الدوري قد اكتمل، حيث سبق أن اكتشف العنصر رقم 118 والعنصر رقم 116، وقد اعتبر ذلك أبرز إنجاز كيميائي تم تحقيقه في هذا العقد من القرن الحادي والعشرين، إذ اكتملت توقعات العالم الروسي ديمتري مندلييف الذي وضع الجدول الدوري في ستينيات القرن التاسع عشر.

ويتميز جدول مندلييف الدوري للعناصر بقدرته على التنبؤ بوجود بعض العناصر قبل اكتشافها، ويعود ذلك إلى الخصائص الدورية الكيميائية للعناصر. ورغم التعديلات المتكررة التي أجريت على الجدول الدوري الأول الذي وضعه مندلييف عام 1869، فإن المبادئ الأولية التي وضعها ما زالت موجودة، حيث رتب العناصر في صفوف أفقية وأعمدة بالاعتماد على صفاتها الكيميائية والفيزيائية المتكررة.

ويعتمد ترتيب العناصر في الجدول الدوري على تزايد أعدادها الذرية (عدد البروتونات في النواة)، وكان مندلييف قد اعتمد تزايد أوزانها الذرية (البروتونات والنترونات في النواة)، وعليه فإن العناصر الواقعة في مجموعة واحدة تتشابه في خواصها الكيميائية.

ويضم الجدول الدوري عددا من الدورات، فالدورة الأولى منه تحتوي على عنصرين فقط، أما الدورتان الثانية والثالثة فتضم كل منهما ثمانية عناصر اعتمادا على تكرار الصفات الكيميائية، لكن مع تزايد أعداد الإلكترونات للعناصر ووجود مدارات إضافية تبين أن تكرار الصفات يتحقق بعد 18 عنصرا، كما في الدورتين الرابعة والخامسة اللتين تضمان العناصر الانتقالية.

أما في الدورة السادسة، فقد ازداد عدد العناصر فيها وأصبحت تضم 32 عنصرا، حيث يوجد فيها 14 عنصرا من عناصر اللانثانات أو أشباه اللانثان وهي من العناصر الترابية النادرة. أما الدورة السابعة فهي على غرار الدورة التي تسبقها، وتضم أيضا 14 عنصرا وتعرف باسم الأكتينات أو أشباه الأكتين، ونظرا لطول كل من الدورتين السادسة والسابعة، تم فصل عناصر اللانثانات والأكتينات في جدول صغير تم وضعه في أسفل الجدول الدوري.
تدل بعض الحسابات أن العنصر الأخير في الجدول الدوري في المستقبل سيكون رقمه 173 على أبعد تقدير

اصطناع مزيد من العناصر
لقد بدأ الفيزيائيون النوويون اصطناع العناصر منذ عام 1937، وكان أول عنصر يتم اصطناعه التكنيتيوم (43)، ثم الأستاتين (85) والبروميثيوم (61) وغيرها من العناصر التي كان يتم بها ملء فراغات الجدول الدوري. ومع اصطناع العنصر 117 اكتمل الجدول الدوري بعناصره الكيميائية، وقد مثل العنصر 118 آخر عنصر فيه، إذ تكتمل كافة مداراته بالإلكترونات.

ويتوقع الباحثون أنه في المستقبل سيتم اصطناع مزيد من العناصر الكيميائية، ستأخذ الأرقام ابتداء من 119، واستحداث مدارات جديدة للإلكترونات، كما سيتم استحداث الدورة الثامنة في الجدول الدوري التي ستتسع لنحو 50 عنصرا جديدا.

إن اصطناع مزيد من العناصر الكيميائية يطرح تساؤلات عن الشكل النهائي للجدول الدوري، ومتى سيصبح إيجاد عناصر جديدة أمرا متعذرا، إذ إن إيجاد تلك العناصر يتطلب أن تتجمع أعداد كبيرة من البروتونات داخل النواة، وهذا عمليا سيزيد من صعوبة تكون عناصر جديدة، بل وسيجعل تشكل نوى ذرات أكثر ثقلا أمرا مستحيلا. وتدل بعض الحسابات أن العنصر الأخير في الجدول الدوري في المستقبل سيكون رقمه 173 على أبعد تقدير.
_____________________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

المصدر : الجزيرة