الصغير الغربي-تونس

حققت منظومة البحث العلمي في تونس نتائج جيدة مقارنة بمثيلاتها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من حيث كمية الأوراق العلمية المنشورة، غير أن الطريق ما زال طويلا أمامها لمعالجة العديد من الإشكاليات التي تحول دون إمكانية الاستفادة من الإنتاج العلمي في ظل علاقة فاترة بالمؤسسات الاقتصادية التونسية. هذا ما خلص إليه مؤتمر تحفيز البحث العلمي الذي عقد في مدينة الحمامات يومي 15 و16 ديسمبر/كانون الأول الجاري.

كميا يبدو أن منظومة البحث العلمي في تونس تعيش ربيعها المزدهر، فعدد الورقات العلمية المنشورة في الدوريات العلمية المحكمة سنة 2014 بلغ ما يزيد عن 5200 ورقة. لتحتل تونس بذلك المرتبة الأولى مغاربيا والثالثة عربيا بعد مصر والسعودية، والثالثة أفريقيا بعد جنوب أفريقيا ومصر، حسب ما ذكر نجيب الأزهاري المدير العام للبحث العلمي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكنولوجيات الاتصال في مداخلته.

ويتطور هذا المؤشر بوتيرة عالية نسبيا تقارب 10% سنويا محققة بذلك إحدى أعلى النسب في المنطقة. ويعود الفضل في ذلك إلى جيش من الباحثين يفوق عددهم 22 ألفا موزعين على 38 مؤسسة بحث وأكثر من 270 مخبرا علميا وما يزيد عن 300 وحدة بحث في مختلف الاختصاصات العلمية.

تطور عدد الورقات العلمية المنشورة في تونس (الجزيرة نت)

جودة الإنتاج العلمي
وحسب الأزهاري فإن المجهود البحثي يتركز أساسا في مجالات الطب والصيدلة وعلوم المواد والهندسة والبيولوجيا والكيمياء والفيزياء. كما أن نسبة مهمة من البحوث، تبلغ 45% تنجز في إطار شراكة ثنائية أو متعددة مع دول أخرى كفرنسا (التي تستحوذ وحدها على 28%) والولايات المتحدة 3% والجزائر والمغرب ومصر والأردن واليابان وكوريا الجنوبية.

ومع ذلك فإن المؤشرات المتعلقة بجودة الإنتاج العلمي ما زالت دون المأمول، فمؤشر الاقتباس ما زال متدنيا مقارنة بدول الجوار وبعيدة عن المتوسط العالمي. كما أن 30% فقط من المنشورات في مجال البيولوجيا على سبيل المثال تصنف في فئة الجيدة جدا أو جيدة و30% في فئة المتوسطة والـ40% المتبقية في فئة الضعيفة.

وبشأن علاقة المنظومة البحثية بالمحيط الاقتصادي، اتفق العديد من المشاركين على أن قطاع البحث العلمي ما زال بعيدا عن لعب دوره في دعم تنافسية المؤسسات الاقتصادية من خلال تقديم حلول تكنولوجية مجددة ومبتكرة. فالرابط بين منظومة البحث والمنظومة الإنتاجية للاقتصاد هو الحلقة الضعيفة في سلسلة الابتكار والتجديد في تونس.

فالباحث التونسي لا يبادر بالتعريف ببحوثه لدى المؤسسة الاقتصادية كما أن هذه الأخيرة لا تتوجه لمركز البحوث لإيجاد حلول لمشاكلها كما يقول المدير العام للوكالة الوطنية للنهوض بالبحث العلمي، خالد غديرة.

وقدم المدير العام لتثمين البحوث بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكنولوجيات الاتصال، خميس الزياني، مقارنة بين الأبحاث العلمية المنشورة (5200) وعدد براءات الاختراع المسجلة في تونس والذي هو دون الخمسين مما يدل على أن البحوث لا يتم تثمينها وتبقى خارج متناول المحيط الاقتصادي في الوقت الذي تسعى فيه المؤسسات إلى استيراد الحلول التكنولوجية الجاهزة من الدول المتقدمة لجهلها بما يمكن أن تقدمها مراكز البحوث من مساعدة فعالة وبأقل التكاليف.

تطور عدد براءات الاختراع المسجلة في تونس (الجزيرة نت)
غياب الإستراتيجية
ورغم تعدد البرامج الخاصة بالتشجيع على تثمين البحوث والتي يتجاوز عددها الـ15 فإن إقبال الباحثين على وضع نتائج بحوثهم على ذمة الاقتصاديين أو المبادرة بتأسيس شركات اقتصادية مجددة يبقى ضعيفا جدا.

فعدد المشاريع التي انجزت في إطار أحد أعرق البرامج في هذا المجال وهو "برنامج تثمين نتائج البحوث" والذي تم إطلاقه سنة 1992 لا يتجاوز 92 بكلفة تناهز عشرة ملايين دينار (نحو ستة ملايين دولار أميركي).

من جهته قال الخبير لدى الوكالة الوطنية للنهوض بالبحث العلمي إيمانوال حسن، إن غياب إستراتيجية وطنية في البحث العلمي أدى إلى غياب أولويات واضحة في الإنتاج العلمي يمكن استنتاجها من خلال استعراض المؤشرات المختلفة كتوزع الإنتاج العلمي على أكثر من 13 قطاعا دون تميز أحدها كميا أو نوعيا.

وأضاف أنه على سلطات الإشراف أن تحدد مجالات الأولوية في البحث لأنه لا يمكن لأي دولة مهما كانت متقدمة أن تتميز في جميع المجالات العلمية، على حد تعبيره.

وخُصصت العديد من المداخلات خلال المؤتمر لاقتراح الحلول اللازمة لتطوير منظومة البحث العلمي في تونس. وتشمل هذه الحلول الجوانب الهيكلية والقانونية والتنظيمية. ولعل أهمها وضع إستراتيجية وطنية للبحث العلمي ستكلف بصياغتها والإشراف على تنفيذها الهيئة العليا للبحث العلمي التي أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكنولوجيات الاتصال عن إطلاقها في افتتاح فعاليات المؤتمر.

كما اقترح عضو لجنة الإصلاح الجامعي، الشاذلي سوغة، تمكين الباحثين من منح مالية لتشجيعهم على تسجيل براءات اختراعهم لدى المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية، الجهة الرسمية لتسجيل البراءات في تونس.

واعتبر سوغة أن إيجاد آليات قانونية تفتح بابا أوسع أمام الباحثين للعمل بالمؤسسات الاقتصادية في القطاعين العام والخاص سيساهم في ربط نشاط البحث العلمي بمحيطه الاقتصادي والاجتماعي.

ورغم نجاح المؤتمر في تقديم صورة واضحة عن واقع البحث العلمي في تونس وتشخيص أهم نقاط الضعف وسرد قائمة طويلة من الحلول المقترحة، فإن غياب ممثلين عن المؤسسات الاقتصادية يطرح أكثر من تساؤل عن مصير هذه الاقتراحات.

المصدر : الجزيرة