في مشهد أعاد للفلسطينيين ذكريات مأساوية لطالما تجرعوا مُرّها، أخضع الاحتلال الإسرائيلي ولليوم السادس على التوالي قرى جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية لحصار وعزل شامل بحجة اعتراض المستوطنين الذين يمرون عبر تلك القرى ورشق مركباتهم بالحجارة.

عاطف دغلس-نابلس

كان على الفلسطيني محمد غوج (أبو سعيد) من مدينة نابلس أن يجتاز، وهو يحمل بين يديه كميات كبيرة من القماش، حاجزا ترابيا ضخما تعلوه حجارة كبيرة ليصل لمشغله للخياطة في بلدة بيتا جنوب مدينة نابلس ويُؤدي مهمته في الوقت المناسب.

وفي مشهد أعاد للفلسطينيين ذكريات مأساوية لطالما تجرعوا مُرّها، أخضع الاحتلال الإسرائيلي ولليوم السادس على التوالي قرى جنوب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية لحصار وعزل شامل بحجة اعتراض المستوطنين الذين يمرون عبر تلك القرى ورشق مركباتهم بالحجارة.

يقول أبو سعيد إنه يواصل عمله بمشقة كبيرة لا سيما وأن الوصول لمكان عمله يتطلب سفرا لمرحلتين والترجّل، وهو ما جعل العمال يتغيّبون وآخرون يُبكّرون بالعودة خوفا من الإغلاق أو الاحتجاز.

ولا يُخفي أبو سعيد تذمره من سوء الأوضاع وتعنت الاحتلال الإسرائيلي برفضه فتح تلك الطرق أو "السدات" كما باتت تعرف، إلا أنه لا يملك توقيف مصلحته التجارية التي تشكل مصدر رزقه الأساس.

مواطنون ينقلون بضائعهم مشيا على الأقدام عبر الساتر الترابي الذي نصبه الاحتلال عند مدخل قرية بيتا جنوبي نابلس (الجزيرة نت)

إغلاق وعزل
وأعاق الإغلاق حركة المواطنين وشلّ نشاطهم التجاري الحيوي والوحيد في شارع حوارة، ويؤكد تجار ومواطنون أنهم تضرروا بشكل كبير، خاصة وأن الإغلاق لا يخلو من الاقتحامات والانتشار الكثيف للجيش لحماية المستوطنين.

ويقول فؤاد ضميدي الذي يملك محلا تجاريا لبيع اللحوم عند شارع حوارة الرئيسي، إن الاحتلال يسعى لتدمير الحركة التجارية بحجة إزعاج المستوطنين ورشقهم بالحجارة.

وأضاف للجزيرة نت أن معاناتهم ستتضاعف نتيجة لتزامن الإغلاق وعيد الأضحى المبارك، مبينا أن مبيعاته كانت تصل لألف دولار يوميا لكنها تدنت لأقل من الثلث خلال الإغلاق الذي يحوّل المنطقة في ساعات المساء "لمدينة أشباح".

يؤكد ذلك رئيس بلدية حوارة ناصر حواري، ويقول إن الاحتلال صعّد أخيرا انتهاكاته ضدهم وأغلق قريتهم والقرى المجاورة ليحوّل حياة نحو 90 ألف مواطن و 18 قرية لجحيم ويعرض أكثر من 350 محلا تجاريا للإغلاق.

جيش الاحتلال ينتشر عند شارع حوارة الرئيسي ويعيق حركة المواطنين لصالح المستوطنين الذين يمرون عبر الطريق (الجزيرة نت)

كما قطّع الاحتلال أوصال بعض القرى داخليا عبر وضع حواجز ترابية بين أحيائها، يضيف حواري، وقال إن كل ذلك يأتي لخدمة المستوطنين الذين "يُفبركون قصصا وأكاذيب حول الاعتداء عليهم من قبل الفلسطينيين".

ويُرجع المسؤول الفلسطيني أن ذلك يأتي للضغط على حكومة الاحتلال لشق طريق خاص بالمستوطنين يبعدهم عن الفلسطينيين، قائلا إن الجيش طالبهم بوصفهم بلديةً بقطع أشجار زيتونهم في عشرين موقعا، وهدّد بنصب سياج حديدي بارتفاع ستة أمتار بمحيط أي مكان ترشق منه الحجارة، كما لم يستبعد "أهدافا خفية" للاحتلال عبر هذا الإغلاق.

عقاب جماعي
وعدّت مؤسسات رسمية وحقوقية إغلاق قرى نابلس "عقابا جماعيا" للمواطنين، خاصة وأن الجيش يأتمر بأوامر المستوطنين الذين يريدون ممرا آخرا لهم، وفقا لمسؤول ملف الاستيطان بشمال الضفة الغربية غسان دغلس.

وبين أن جهازي الارتباط العسكري والمدني الفلسطينيين تواصلا مع الجهات الإسرائيلية التي ردت بأنها "إجراءات أمنية" لمنع الحجارة، واستبعد دغلس نتيجة لمعطيات كثيرة إزالة هذه الحواجز في الوقت الحالي.

الاحتلال أغلق حوارة بالسواتر الترابية التي نصبها أيضا داخل القرى نفسها ليعزلها تماما (الجزيرة نت)

ويرفض الناشط في جمعية حاخاميين لحقوق الإنسان الإسرائيلية زكريا السدة انتهاكات الاحتلال، ويؤكد أنها غير قانونية وتكرس سياسة العقاب الجماعي.

وقال إنهم ينظرون بخطورة لما تقوم به إسرائيل من ممارسات تسلب حرية آلاف المواطنين، وبيّن أنهم تقدموا بطلب عاجل للمستشار القضائي للإدارة المدنية ولقائد المنطقة الوسطى من أجل فتح الطرق وإزالة كل السواتر التي وضعها الاحتلال بأسرع وقت ممكن، مضيفا أن مؤسستهم بصدد التوجه لمحكمة العدل العليا إذا لم يتم تنفيذ الطلب.

وتجثم أربع مستوطنات رئيسية يقطنها أكثر من ألفي مستوطن وبؤر استيطانية أخرى، وتعد مستوطنة يتسهار أخطرها وأكثرها عنفا، فوق أراضي المواطنين جنوب نابلس، وتصادر آلاف الدونمات، ويُعرف مستوطنوها بالمتطرفين ويشنون اعتداءات لا تنتهي على الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة