عزت شحرور-بكين

أثار مشهد أداء مسلمي مدينة شنغهاي الصينية صلاة عيد الفطر في أحد شوارع المدينة حملة شرسة وموجة جدل واسعة لم تخل من هلع وعداء واضح للمسلمين انتشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الصينية.

فقد افترش الآلاف من المسلمين الأرض في أحد الشوارع المحاذية لمسجد خوشي بعد أن ضاق عليهم المسجد وساحته والأزقة المؤدية إليه. والمسجد هو واحد من ستة مساجد تنتشر في أحياء المدينة لم تعد كافية -على ما يبدو- لاستيعاب الأعداد المتزايدة للمسلمين في مدينة عرفت بأنها من أقل المدن الصينية التي يقطنها مسلمون، بل اشتُهرت تاريخياً بأنها مهد تجمع لليهود ونفوذهم منذ أن لجأ إليها آلاف منهم إبان الحرب العالمية الثانية.

آلاف من التعليقات أعربت عن دهشتها واستيائها، موجهة سهام نقد لاذعة لبلدية المدينة لسماحها بممارسة طقوس دينية في الشوارع وفي أماكن عامة في مدينة علمانية وتجارية حديثة مثل شنغهاي وبحماية مكثفة من أجهزة الأمن وشرطة المرور.

تعليقات أخرى حذرت مما سمته "الخطر الأخضر الداهم" وأطلقت اسم "شنغهايستان" تهكماً على المدينة، متسائلة أين كان كل هؤلاء مختفين. البعض الآخر حذر من عمليات انتحارية باعتبار أن المسلمين لا يقبلون النقد ولا يردون إلا بالعنف.

أما بعض التعليقات المتطرفة فقد طالبت المسلمين الصينيين بالهجرة إلى البلاد العربية والإسلامية كي يمارسوا معتقداتهم بحرية أكثر ودون إزعاج للآخرين.

وتأتي هذه الحملة بعد أيام قليلة على حملة مماثلة كان سببها إعلان على أبواب أحد متاجر المواد الغذائية في حي تقطنه أغلبية مسلمة في العاصمة بكين تطلب فيه إدارة المتجر من زبائنها عدم اصطحاب مواد قد تثير حساسية المسلمين واعتذارها عن حفظ أي من تلك المواد في قسم الأمانات، الأمر الذي أثار بعض المتطرفين ودفعهم إلى تمزيق الإعلان وشن حملة انتقاد شرسة على إدارة المتجر التابع لسلسلة متاجر كبرى في الصين.

مسلمو شنغهاي أثناء الصلاة (الجزيرة)

تهكم وغضب
وذهب البعض إلى حد تصميم تطبيق للهواتف المحمولة على غرار صور (إيموجي) الكاريكاتيرية المعروفة، يتضمن صوراً لصينيين ملتحين يحملون أحزمة ناسفة وأسلحة، وتم تبادل هذه الرسومات والصور كرسائل نصية تهكمية مثل "إن لم تأت في الموعد المحدد"، ثم يتبعها بصورة لملتحٍ يهدد بحزام ناسف.

وقوبل برنامج تبنته الحكومة الصينية بتقديم منح دراسية وتسهيلات لأبناء الأقليات القومية في المناطق النائية للانتساب إلى الجامعات الصينية المشهورة في بعض المدن الكبرى، بحملة انتقادات واحتجاجات واسعة.

كما انتشرت أيضاً دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب بإغلاق المطاعم الإسلامية والأطعمة الحلال في الجامعات الصينية بذريعة المساواة بين جميع المواطنين وعدم التمييز بين الأقليات القومية أو الدينية حتى لو كان ذلك تمييزاً إيجابياً.

وفي تصريح للجزيرة نت اتهم الباحث في الشؤون الإسلامية الصينية وانغ في جهات منظمة لم يسمها بالوقوف وراء بث هذه الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي الصينية عبر نشر ما أسماها بالإشاعات الكاذبة وغياب قوانين واضحة تمنع خطاب الكراهية وتتبع مصادر بث الأخبار الكاذبة على هذه المواقع.

واستشهد على ذلك ببث خبر كان قد أثار جدلاً واسعاً حول مشاجرة وأعمال عنف جرت على إحدى طائرات الخطوط الجوية المحلية بسبب احتجاج راكب مسلم على عدم وجود أطعمة حلال على متن الطائرة ليتم الاكتشاف لاحقاً أن الخبر ملفق وعار عن الصحة.

ويرى خبراء أن السبب في هذا التحول لدى المجتمع الصيني يكمن في تنامي النزعات القومية لدى شريحة الشباب، ويعزز ذلك استمرار حدة التوتر في إقليم شينغيانغ ذي الأغلبية الإيغورية المسلمة وما يرافق ذلك من أعمال عنف لم تعد مقتصرة داخل حدود الإقليم بل تعدته لتشمل مدنا وأقاليم أخرى عبر استهداف مدنيين في المطارات ومحطات القطارات وغيرها.

وفي مقابل ذلك شددت السلطات الصينية قبضتها الأمنية على الإقليم، ولجأت بعض الحكومات المحلية فيه إلى منع سكانه من ممارسة شعائرهم الدينية كمنع الطلبة والموظفين من صيام رمضان ومنع إطلاق اللحى وكذلك منع المتحجبات من ارتياد الأماكن العامة كالحافلات والمتاجر.

المصدر : الجزيرة