أدهم أبو الحسام-إدلب

في بيت صغير بإحدى قرى ريف إدلب الشمالي، يقيم أبو عمار وأسرته الذين خرجوا من مدينة الزبداني إثر اتفاق بين النظام السوري والمعارضة، أفضى إلى إجلائهم عن مدينتهم في 21 أبريل/نيسان الماضي.

تستقبل أم عمار يوم رمضان بابتسامة، وتقسم الوقت خلال يوم الصيام الطويل بين طهو الخضروات التي طلبت من زوجها إحضارها، والقيام بالعبادات من صلاة وقراءة للقرآن الكريم.

وفي إحدى زوايا المنزل لا تترك أم عمار القرآن برهة حتى تعود إليه وتستمر في التلاوة إلى أن يعود أبو عمار إلى المنزل محملا ببعض الخضروات البسيطة، خضروات كانت أيام الحصار في الزبداني طعاما فاخرا إذا ما قورن بما كانوا يأكلونه من حشائش مغلية بالماء وربما بعض الملح خلال أيام الحصار في مضايا.

وباتت أطباق رمضان التقليدية تختزل حكايات بطعم الحنين إلى ماض ليس ببعيد، يفتقدون فيه دعوات الأهل والأقارب على الإفطار بعد أن تفرق شمل العائلة.

بيد أن رمضان هذه السنة بالنسبة إلى رب الأسرة وزوجته وابنتهما وحفيدتهم، يختلف كثيرا عما عاينوه في السابق، كما هي حال العديد ممن نجوا من شبح الموت جوعا الذي يطارد ما تبقى من أهالي مدينة الزبداني القابعين تحت الحصار حتى الآن.

تسمع أم عمار وابنتها تتهامسان سويا بعبارات حول فطور الصائمين في مضايا والزبداني، فتستوقفك عبارة أم عمار "يا ابنتي لن يختلف الحال على أهلنا هناك كثيرا مع قدوم رمضان، ليس لديهم ما يأكلونه، وهم يصومون منذ سنة تقريبا، وكل الشهور باتت عندهم شهر صوم"، وترتسم على وجه ابنتها علامات الحزن على رفاق لها وأقرباء ما زالوا يرزحون تحت الحصار.

video

خرج أبو عمار واصطحبنا معه إلى سوق البلدة وبدأ الحديث بينه وبين الباعة أثناء شرائه بعض حاجيات المنزل، حديث تطرق إلى ذكريات مؤلمة سردها عن استغلال التجار وقوات النظام وحزب الله التي كانت تتحكم بدخول السلع إلى مناطق الحصار، وأخبرنا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الجنوني هناك.

وحرص أبو عمار على التعبير عن ارتياحه عقب خروجه من الحصار، غير أن الغصة لم تغب عن ملامحه حزنا على من تبقى من أهله وأقربائه تحت وطأة الموت جوعا في مضايا.

يقول أبو عمار -الذي كان يملك محلا لبيع الأدوات المنزلية في الزبداني دمر بقصف طائرات النظام وقوات حزب الله اللبناني- إنه يحرص خلال الشهر الفضيل على تأدية الصلاة وتلاوة القرآن الذي كان رفيق دربه في جميع مراحل رحلته في طريق خروجه إلى ريف إدلب.

وعبّر عن شعور بالحسرة والألم قائلا "عندما تخسر كل شيء، منزلك وممتلكاتك وبعض أفراد عائلتك، فإن ما يبقى لديك هو إيمانك بالله".

ربما القصص التي تخرج من أهالي الزبداني هي الأكثر إيلاما في شهر مبارك يعاني فيه الآلاف من الجوع في 22 منطقة في سوريا يحاصرها النظام ومليشيات حزب الله، وبلدتان تحاصرهما المعارضة المسلحة هما كفريا والفوعة بريف إدلب، وأحياء يحاصرها تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة دير الزور.

وبحسب الأمم المتحدة، بلغ عدد المحاصرين في سوريا أربعمئة ألف، في حين أكدت تقارير إعلامية للمعارضة أن عدد المحاصرين يبلغ 1.2 مليون شخص. ويعزى هذا التباين في الأرقام إلى أن الأمم المتحدة صنفت معظم مناطق الغوطة الشرقية بأنها "صعبة الوصول" وليست مناطق محاصرة.

المصدر : الجزيرة