صمت تحسين، وسمعنا حديث بعض زملائه السجناء يأتي من بعيد وهم يتحدثون عن أول مكان سيزورنه بعد إطلاق سراحهم. كأن الزمن توقف بهم، أو كأنهم نسوا أن سوريا التي كانت آمنة هي غير التي سيرونها إن خرجوا من السجن.

إيلاف ياسين-غازي عنتاب

بصوت مفعم بالفكاهة، وصف تحسين تهمته -"إرهابي"- التي اعتقل بسببها ليكون نزيلا في جناح الإرهاب داخل سجن حماة المركزي.

واستطاعت الجزيرة الوصول إليه داخل السجن بحثا عن حقيقة العصيان الذي جرى في الأول من مايو/أيار الماضي، باعتباره أحد المشاركين فيه.

تحسين قال إن الحال في سجن حماة أفضل بكثير من سجون الفروع الأمنية، فهم يملكون كل المستلزمات الأساسية، لكن ما يفتقدونه هو الحرية.

وأضاف "لم أكن جزءا من الثورة قبل اعتقالي، كنت رجلا عاديا، أرقب المظاهرات وأشاهد الأخبار. خبرت الظلم، وتعاملت مع الظلام دون أن انخرط في أي مظاهرة أو عمل ثوري إلا أن كل شيء تغير بعد الاعتقال".

"أنا الآن مع الثورة وضد هذا النظام" -يقول بثقة- "فبعد أن رأيت الظلم هنا في السجن أيقنت أن هذا هو ما يجب عليّ فعله".

صورة من داخل سجن حماة المركزي (الجزيرة)

روى تحسين أسباب بداية "الاستعصاء" كما يسميه، ويقول إنه منذ فترة قام عناصر مفرزة الشرطة بطلب أربعة سجناء لاقتيادهم إلى المحكمة الميدانية، وعلمنا فيما بعد أنه تم إعدامهم ميدانيا.

وفي الأول من مايو/أيار أعيدت الكرّة، وجاء حرس السجن وطلبوا أربعة أسماء جديدة، إلا أن المطلوبين رفضوا تنفيذ الأوامر ورفض السجناء الآخرون تسليمهم.

تصعيد فتمرد
وبدأ التوتر يسود السجن، فتم استدعاء قائد الشرطة في المنطقة أشرف طه وكان ذلك بداية المرحلة الأولى من التفاوض، ودامت المداولات بيننا نحن السجناء وبين الشرطة من السادسة صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا، طالبنا فيها أن يتم تسليم السجناء الأربعة السابقين حتى يتم تسليم الأربعة الجدد، وكانت مطالب النظام تتمثل في تسليم المطلوبين دون شروط.

نفد صبر ضباط الشرطة وقرروا أخذ السجناء الأربعة المطلوبين بالقوة، فما كان من السجناء إلا أن بدؤوا بالهتاف "الله أكبر" وبدأ الاستعصاء.

استعصاء داخل سجن حماة المركزي (ناشطون)

قمنا بكسر أجهزة التدفئة لإغلاق الأبواب ومن ثم سد المداخل، واستخدمنا أنابيب التوصيل كأسلحة فردية، وملأنا دلاء الماء التي نستخدمها للاستحمام، وجهزنا البصل والخل الموجود بحوزتنا لتخفيف آثار القنابل الغازية المتوقعة.

كسرنا الفواصل بين الأجنحة، وبدأنا بالتهليل والتكبير إيذانا ببدء الاستعصاء، فرد علينا المحكومون "الإسلاميون" بالتكبير والتهليل من الطابق السفلي وانتفضوا لنصرتنا.. فأصبح السجن خارج سيطرة أجهزة الأمن والشرطة وأغلقنا أبوابه، وتحول من مكان أسر لفضاء للحرية.

وتابع تحسين "أسرنا أثناء ذلك عشرة حراس دون مقاومة تذكر، وبدأ النظام بإلقاء قنابل الغاز، فمات أحد زملائنا مختنقا، وسلمنا جثته عبر باب خلفي هو باب جمعية خيرية لمساعدة المساجين وقام النظام بإخراجها".

تجربة ديمقراطية
يعتبر تحسين أن عملية اختيار لجنة التفاوض كانت تجربة ديمقراطية بامتياز، إذ انتدبوا الأكثر حظوة بين السجناء وأكثرهم شعبية.

بدأت الوفود بزيارة السجن للوساطة، من تجار حماة وشيوخ عشائر ووجهاء ومسؤولين، وذلك لإقناع الوفد المفاوض بالعدول عن رأيه وتسليم السجن.

لكن مطالب السجناء كانت واضحة، وتتمثل في إخلاء سبيل كافة المعتقلين السياسيين من سجن حماة المركزي إضافة إلى إيقاف المحاكمات الميدانية، بينما انحصرت طلبات النظام بتسليم السجن قبل تنفيذ أي من المطالب.

باءت المباحثات بالفشل، ولم يتوان النظام عن الاستفزاز بكافة الذرائع، وجلبت قوات حفظ النظام حوالي ثلاثمئة مدفع "دوشكا" وسيارات إطفاء، وسيارات إسعاف.

video

وبدأ الهجوم بكافة أنواع القنابل، وبكل الاتجاهات مصحوبا بإطلاق بعض الأعيرة النارية دون وقوع إصابات.

ازداد إصرار قوات النظام على اقتحام السجن، فزادت كثافة قنابل الغاز، وبدأت حالات الاختناق بالازدياد، حتى وصلت إلى حوالي 150 حالة، إضافة لإطلاق رصاص مطاطي أدى إلى جرح أربعة سجناء.

لم نهن، واستطعنا صد الاقتحام رغم شدته، حتى زارنا مبعوث رئاسة الجمهورية نواف الملحم ووعد بإيصال مطالبنا لرئيس النظام بشار الأسد.

عاد الملحم في اليوم التالي بصحبة وزير الداخلية ووزير المصالحة الوطنية، وطلبوا رئيس اللجنة وأخبروه أن الأسد قد وافق على كل الطلبات، على أن يتم إخراج مئتي معتقل فورا، ثم إخراج ثلاثمئة بالتتابع، على أن يختار النظام الأسماء.

بعد المشورة وافقنا على الاتفاق، ونحن اليوم ننتظر، وقد تباطأ النظام في تنفيذ وعوده، فأصبح يرسل يوميا قائمة أسماء لا تتجاوز العشرة بحجة دراسة الأسماء أمنيا.

صمت تحسين، وسمعنا حديث بعض زملائه السجناء يأتي من بعيد، وهم يتضاحكون ويتحدثون عن أول مكان سيزورنه بعد إطلاق سراحهم.

كأن الزمن توقف بهم، أو كأنهم نسوا أن سوريا التي دخلوا السجن وهي آمنة، هي غير التي سيرونها إن التزم النظام بوعده وخرجوا.

المصدر : الجزيرة