الحاج زكي.. نصف قرن من الحلاقة والحكايات
آخر تحديث: 2016/4/29 الساعة 06:22 (مكة المكرمة) الموافق 1437/7/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/4/29 الساعة 06:22 (مكة المكرمة) الموافق 1437/7/23 هـ

الحاج زكي.. نصف قرن من الحلاقة والحكايات

محمد عمران-دير البلح

لا يحتاج الستيني أبو منير أكثر من اتصال هاتفي بأحد أقدم حلاقي قطاع غزة الحاج زكي أبو دغيم، حتى يستمتع بجلسة حلاقة خاصة اعتادها منذ ثلاثة عقود، فهو لا يقبل قص شعر رأسه أو لحيته بيدي حلاق آخر مهما كانت شهرته.

ورغم وجود أكثر من حلاق في محيط سكنه بمدينة دير البلح وسط القطاع، فإنه يؤثر الانتظار لعدة أيام دون أن يغضب أو يضجر، حتى يأتي دوره لدى الحاج زكي.

فأبو منير لا ينظر إلى الحلاقة باعتبارها مجرد قص أو تصفيف للشعر، لكنها جلسة تعلم وفرح لا تتوقف خلالها الضحكات وهو يستعيد مع حلاقه التقليدي حكايات وذكريات الزمن الجميل، حيث البساطة التي كان الناس يتسمون بها، والعلاقات التي تغلب عليها المحبة لا المصالح.

أكثر من حلاقة
وتتحول ساعة الحلاقة إلى جلسة عائلية يجتمع فيها الأبناء والأحفاد ليتبادلوا أطراف الحديث مع الحاج زكي ويتعلموا من تجربته الثرية، وهو ما يجعلهم ينتظرون موعد قدومه على أحر من الجمر، ليحكي لهم جزءا من المواقف والذكريات المفرحة والحزينة التي تزخر بها حياته.

الحاج زكي يعمل في مهنة الحلاقة متنقلا بدراجته النارية بين منازل زبائنه (الجزيرة)

ويقول أبو منير للجزيرة نت إن الحاج زكي يتمتع بشخصية تجمع بين الفكاهة والجدية مذ كان شابا، فمن غير المستغرب أن يظل يمارس مهنته ولا يتوقف عن تقديم خدمة الحلاقة المنزلية رغم بلوغه العقد السابع من عمره.

ويضيف أن كل كلمة أو حركة يأتي بها تحمل رسالة معينة يريد أن يوصلها إلى محيطه، فصورته وهو يقود الدراجة النارية على الطرقات تؤكد أن كبر السن لا يعنى بالضرورة نهاية الحياة. لكن الحاج زكي يقاطعه مازحا "ومن قال لك إن عمري كبيرظ أنا فقط في السبعين وروحي شباب أكثر ممن هم في العشرين، ثم إن كل دير البلح تقول إنني بسبعة أرواح".

وينهي الحلاق الشهير ساعته لدى عائلة أبو منير التي ودعته على باب منزلها بحفاوة مثلما استقبلته، بينما انطلق هو على متن دراجته ليبدأ حكاية أخرى مع زبون جديد.

تشجيع واستغراب
إلى هنا طويت صفحة في يوم عمل لدى الحاج زكي، لكن صفحات أخرى تفتحها الجزيرة نت معه، وهي تتابعه متنقلا بدراجته النارية من منزل زبون إلى آخر، فتارة يسمع كلمة تشجيع من المارة وثانية تلاحقه نظرات الاستغراب، وأخرى تعلو ضحكات بعض سائقي السيارات حتى يعود أدراجه قبيل مغرب نهار حافل إلى صالونه بمخيم دير البلح.

منذ ثلاثة عقود وأبو منير يفضل أن يحلق شعره لدى الحاج زكي أبو دغيم (الجزيرة)

وما إن يدخل صالون الحلاقة الذي أسسه قبل خمسين عاما، وعمل به أولاده سواء من هاجر منهم إلى أوروبا أو من بقي، حتى يكتظ بالزبائن الذين اعتادوا الإنصات لحكاياته الماتعة وطرائفه مذ كان يافعا حتى شاب شعره وانحنى ظهره دون أن تنحني عزيمته.

ويبدو أبو أيمن محافظا على أناقته المعتادة، فربطة العنق تزين هندامه المنسق الألوان من القميص والبنطال وحتى الحذاء، أما عباراته فتفوح منها كلمات الجمال والثناء التي يطرب لسماعها الزبائن دون ملل منذ بدأ مهنته قبل نصف قرن بالتنقل على دراجة هوائية.

حكاية زبون
وبينما يسرد أبو أيمن لزبائنه تفاصيل حكاية زبون مع أولاده الخمسة لم يعطه الأجرة، قائلا "حلقت إلنا وحلقنا إلك"، في إشارة إلى عدم امتلاكه أجرة الحلاقة، ينصحهم بأن عمل الخير يأتي أجره في الدنيا والآخرة، فالرجل الذي لم يدفع الأجرة ساهم في إنقاذه من مشكلة كبيرة بعد ذلك بسنوات.

ويؤكد مبتسما أنه ينتظر ثواب ربه لحرصه على تزيين الرجال ليتجملوا لنسائهم اللواتي عادة ما يدركن أنه حلاق أزواجهم، من قصة الشعر ونعومة الذقن وحتى من رائحة العطر التي يرشها على زبائنه قبل مغادرتهم.

المصدر : الجزيرة