في ظل تعاظم فخر كثيرين بالانتماء للقبائل المعروفة في شبه الجزيرة العربية، وحرص آخرين على تأكيد تبعية عوائلهم لقبائل تعد "أصيلة" حسبا ونسبا، تظهر قضايا في المحاكم السعودية تطالب بالفصل بين زوجين لعدم "تكافؤ النَّسَب".

حبشي الشمري-الرياض

تطل قضايا "عدم تكافؤ النَّسَب" برأسها في قاعات المحاكم بـالسعودية بين فترة وأخرى، وتقضي الجهات العدلية في المملكة أحيانا بالفصل بين زوجين لعدم تكافؤ النَّسَب، وسط تباين الآراء لدى الشارع المحلي تجاه تلك الأحكام، بين مؤيد ومعارض.

وعادة تنشأ تلك الدعاوى لكون الزوجين من نَسبين مختلفين، كأن ينتسب أحد الزوجين لقبيلة أو عائلة ما، وينتسب الطرف الآخر لقبيلة أو عائلة أخرى جرى العرف على أن أتباعها لا يقبلون التصاهر إلى عائلة الطرف الآخر.

وبات ملحوظا في السنوات الأخيرة تعاظم التفاخر بين كثيرين بالانتماء للقبائل المعروفة في شبه الجزيرة العربية، وحرص آخرين على تأكيد تبعية عائلاتهم لقبائل تعد بين كثيرين في المنطقة "أصيلة" حسبا ونسبا.

وقبل بضعة أسابيع أصدر قاضٍ حكما بالتفريق بين زوجين بحجة "عدم تكافؤ النَّسَب" بعدما رفع أعمام الزوجة طلبا إلى المحكمة بذلك. وعلل المتحدث الرسمي لوزارة العدل المستشار منصور القفاري موقف الوزارة بأن "الخاطب مارس الغش والتدليس في المعلومات التي قدمها عن نفسه، وتم تزويجه بناء عليها".

وهنا يؤكد رئيس قسم الأحوال الشخصية في معهد القضاء العالي الدكتور عقيل العقيل للجزيرة نت أنه "لا يجوز بعد الموافقة على عقد النكاح بين مسلم ومسلمة طلب فسخه ما لم يكن هناك كذب في هذا الباب". ويبدى العقيل تعجبه ممن يتزوجون من أعجميات مجهولات النَّسَب و"يعيرون المتزوجين والمتزوجات من عرب أو عربيات".

عزيز: أحيانا يُظلم القضاء والقضاة لأن وزارة العدل لا تكشف التفاصيل (الجزيرة نت)

ظُلم للقضاء
ويرى الكاتب الصحفي فواز عزيز أن نشر بعض أحكام القضاء، ومنها ما يرتبط بقضايا "عدم تكافؤ النَّسَب" ما انفك يثير جدلا، ويتحول إلى قضايا رأي عام، و"أحيانا يُظلم القضاء والقضاة فيها, لأن وزارة العدل لا تكشف التفاصيل ولا تتعامل مع الإعلام بوضوح".

وبينما يكون الاعتراض أحيانا في فترة الخطوبة من أقارب أحد الزوجين في قضايا عدم كفاءة النَّسَب، يمتد الرفض أحيانا أخرى ليصل إلى قاعات المحاكم حتى بعد الزواج، بل قد يستمر الرفض، وربما التهديد، حتى بعد إنجاب أطفال.

وتحذر الاختصاصية في الإرشاد الاجتماعي مها قطان من انعكاس معاناة الأسر المفككة "نتيجة ذنب لم يقترفه أي منهم"، مشيرة في حديثها لـ"الجزيرة نت" إلى أن "القلق والإحباط والشعور بالنقص واضطرابات عدم التوافق النفسي والتكيف الاجتماعي قد يدعو الضحايا للتفكير في الثأر لأنفسهم والانتقام ممن تسبب في شتات أسرهم".

العقيل قال إنه لا يجوز فسخ عقد النكاح ما لم يكن هناك كذب في مجال الأنساب (الجزيرة)

خلاف وتفاصيل
لكن المحامية ريم العجمي تؤكد للجزيرة نت وجود "خلاف وتفاصيل" في أي قضية عدم كفاءة نسب تطرح أمام القضاء، لكنها ترى أنه في أغلب الأحوال يكون التفريق بين الزوجين من "باب درء المفاسد".

ويذهب أستاذ الثقافة الإسلامية المشارك الدكتور عبد الله حمد العويسي في حديثه للجزيرة نت إلى أن العلماء اختلفوا في اعتبار الكفاءة في النسب "فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل إلى اعتبارها، أما مالك فلم يعتبرها، وهي رواية عن أحمد بن حنبل".

وأضاف العويسي أن العلماء الذين اعتبروا كفاءة النسب راعوا الوضع الاجتماعي وما قد يترتب على اختلاف النسب من أثر سلبي على العلاقة الزوجية سواء بين الزوجين أو بين أسرتيهما، في حين نظر مالك إلى الأدلة الشرعية وما كان عليه العمل في مثل هذا الأمر في المدينة المنورة أثناء عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبين قولين دينيين يميل أحدهما إلى أنه لا اعتبار بالنَّسَب في مشروعية عقد النكاح، وآخر بأن الكفاءة في النَّسَب شرط لصحة الارتباط الزوجي، فإن آخرين يذهبون إلى أن الكفاءة حق للزوجة والأولياء، فإذا أسقطوه فلهم ذلك والنكاح صحيح.

المصدر : الجزيرة