المثير حقا هو أن الكشف عن المتهمين الجدد يأتي هذه المرة في أجواء تمهّد -كما يبدو- لمزيد من التقارب وربما التحالف بين السلطة الحالية في مصر وإسرائيل، التي نال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إشادة غير مسبوقة من رئيس مصري.

أنس زكي

متحدثا أمام ميكروفونات تمثل العديد من وسائل الإعلام المصرية والعربية، خرج وزير الداخلية المصري مجدي عبد الغفار ليتحدث بثقة ونشوة مؤكدا النجاح في الكشف عن المتورطين في اغتيال النائب العام السابق هشام بركات يوم 29 يونيو/حزيران الماضي.

واتهم الوزير جماعة الإخوان المسلمين ومعها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية بالتورط في التخطيط والإعداد والتنفيذ، قبل أن يعرض ما وصفها بتفاصيل عن ملابسات الحادث والعناصر التي شاركت في تنفيذه وترتيبه.

وقدم عبد الغفار ما اعتبرها اعترافات تفصيلية تؤكد ما وجهه من اتهامات مستخدما تعبيرات تجزم وتحسم ولا تبقي أي خيار بشأن من اتهمهم، لكن الوزير ربما فاته أن وزارته سبق أن أعلنت مرتين سابقتين عن توصلها للمتهمين باغتيال النائب العام السابق.

ليس هذا فقط، بل إن صحيفة الوطن المقربة من السلطة تحدثت عن معلومات أمنية تتهم صراحة ضابطا سابقا بالجيش يدعى هشام عشماوي بالتخطيط لاغتيال النائب العام السابق، وذلك بعد ثلاثة أيام فقط من الحادث، كما أن الإعلامي أحمد موسى القريب جدا من السلطة أكد المعلومة نفسها.

لكن لا بأس من تجاهل تصريحات الإعلام حتى لو كان مقربا، ولنبق مع التصريحات الرسمية فحسب، لنجد أن تصريحات الوزير الأخيرة وجدت من يهلل لها ويعتبرها دليلا على يقظة أجهزة الأمن المصرية ومهارتها، كما وجدت أيضا من يستغرب أن يتم الإعلان عن ضبط المتهمين أحياء أو أمواتا ثلاث مرات في غضون ثمانية أشهر.

في ظل حظر نشر أصدره القائم بأعمال النائب العام، توارت أخبار قضية اغتيال هشام بركات وردود الأفعال عليها بشكل تدريجي، قبل أن تعود للواجهة بشكل مفاجئ أوائل فبراير/شباط الماضي

ضالعون بشكل مباشر
فبعد يومين فقط من اغتيال النائب العام بسيارة مفخخة استهدفت موكبه لدى مروره في ضاحية مصر الجديدة الراقية في العاصمة المصرية، وبعد يوم من وعيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الجماعات الإرهابية التي اعتبر الإخوان المسلمين جزءا منها، قالت وزارة الداخلية إن قواتها قتلت عناصر إرهابية كانت تختبئ في شقة بمدينة السادس من أكتوبر غربي القاهرة، وأكدت أن المقتولين كانوا ضالعين بشكل مباشر في مقتل هشام بركات.

وفي ظل حظر نشر أصدره القائم بأعمال النائب العام، توارت أخبار قضية اغتيال هشام بركات وردود الأفعال عليها بشكل تدريجي، قبل أن تعود للواجهة بشكل مفاجئ أوائل فبراير/شباط الماضي عندما قالت وزارة الداخلية إنها قامت بتصفية ثلاثة من العناصر الإرهابية في منطقة المعادي ووجهت لهم عدة تهم، كان من بينها المسؤولية عن اغتيال هشام بركات.

وبعد أن صفّت الشرطة من اتهمتهم أولا ثم قامت بالأمر نفسه مع من اتهمتهم ثانيا، اكتملت الإثارة عندما خرجت الوزارة أمس، وفي ظل استمرار حظر النشر أيضا! لتتحدث عن متهمين جدد في نفس القضية لم تتم تصفيتهم هذه المرة وإنما تم القبض على بعضهم دون البعض الآخر.

لكن الجديد هذه المرة كان خروج الوزير بنفسه ليوجه الاتهامات ويعرض تسجيلات مصورة قال إنها للمتهمين "الجدد"، فضلا عن توسعه في نطاق الاتهامات، فبعد أن كانت لأفراد تمت تصفيتهم (مرتين) أصبحت الاتهامات هذه المرة لأفراد بالتنفيذ وجماعات وحركات بالتخطيط والتدريب والرعاية.

بين إسرائيل وحماس
أما المثير حقا فهو أن الكشف عن المتهمين الجدد يأتي هذه المرة في أجواء تمهّد -كما يبدو- لمزيد من التقارب وربما التحالف بين السلطة الحالية في مصر وإسرائيل، التي نال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو إشادة غير مسبوقة من رئيس مصري عندما قال السيسي خلال لقاء بقادة منظمات يهودية أميركية إن نتنياهو قائد ذو قدرات قيادية عظيمة لا تؤهله فقط لقيادة دولته، بل هي كفيلة بأن تضمن تطور المنطقة وتقدّم العالم بأسره.

وفي وسط حالة عبث تتمثل في الكشف عن قتلة النائب العام ثلاث مرات في كل منها متهمون جدد، قد تكون دلالات المواقف الرسمية المصرية الحالية خصوصا تجاه إسرائيل وحماس والإخوان أكثر قربا إلى المنطق وإمكانية الفهم لدى البعض.

فبالإضافة إلى فشل السلطة في مواجهة سد النهضة الذي يهدد مصر بالعطش، وحالة العداء المتواصلة لجماعة الإخوان منذ انقلب السيسي على رئيسه محمد مرسي، فإن الدفع الدائم باتجاه اعتبار إسرائيل صديقا واعتبار حماس عدوا يشير إلى أن تطورات المستقبل قد تكون أخطر بكثير من تطورات الماضي.

المصدر : الجزيرة