شهدت جسور وطرق تم إنشاؤها مؤخرا في مصر تصدعا بشكل كبير، في المقابل تجاهلت وزارة النقل الأضرار التي ظهرت في الجسور الحديثة، وأكدت أن 40% من جسور مصر تخطت عمرها الافتراضي وهي بحاجة لصيانة.

عبد الرحمن محمد-القاهرة

تحولت مشاريع إنشاء الجسور والطرق من كونها "إنجازا" يفخر به النظام المصري الحالي، ويقدمها إلى الشعب كأحد أهم مسوغات نجاحه وتقدمه إلى مادة مثيرة للغضب والتذمر أحيانا، والسخرية والنقد أحيانا أخرى.

ولم يلتفت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية تدشين رؤية مصر 2030 إلى ما شهدته جسور وطرق تم إنشاؤها مؤخرا من تشقق وتصدع بشكل غير مسبوق، وتباهى بالانتهاء من 133 جسرا خلال عشرين شهرا، قائلا "لازم المواطن يحس أنه معزز في وطنه".

هذا الشعور عبّر عنه المواطن حسن سلامه -وهو موظف يتطلب عمله السفر عبر إحدى الطرق التي شهدت انهيار أحد الجسور منذ شهرين (جسر قليوب)- "لم يعد الغلبان (البسيط) يأمن على حياته ويشعر بأي قيمة لذاته بسبب هذا الإهمال والفساد".

وأضاف معلقا للجزيرة نت على تتابع حوادث ظهور أضرار بجسور حديثة الإنشاء في مصر، أن "الفساد الذي أصبحنا نلمسه في كل مناحي الحياة بمصر يجعلنا لا نستغرب هذه الكوارث رغم تزايدها، وقريبا ستنهار هذه المنظومة الفاسدة كما تسببت في انهيار هذه الكباري".

جانب من تنفيذ مقاولين من الباطن أحد مشاريع الطرق بمصر (الجزيرة)

وقبل يومين، شهد جسر "محلة روح" بمحافظة الغربية -الذي تم تشغيله بشكل مبدئي منذ أسابيع بعد الانتهاء من إنشائه تحت إشراف الإدارة الهندسية بالقوات المسلحة- هبوطا جزئيا وشروخا في الحوائط المساندة في مطالعه ومنازله.

حوادث مرورية
وجاء ذلك بعد أسابيع قليلة من انهيار جسر "الكوامل" الواصل بين مدينتي سوهاج القديمة والجديدة، رغم أنه لم يمض على افتتاحه سوى ثمانية أشهر، كما سبق ذلك انهيار جسر على طريق المنصورة كان أنشئ قبل الانهيار ببضعة أشهر أيضا، وهو ما أدى إلى انقلاب عدد من السيارات وإصابة راكبيها.

ولا تقتصر قائمة الجسور التي انهارت أو تضررت على هذه النماذج، فهناك أيضا جسر تحت الإنشاء بمدينة الواسطى في محافظة بني سويف، وآخر مثله في قرية الضبعية بالإسماعيلية،  بالإضافة إلى جسور أقدم عمرا في كل من قليوب ودمياط والمرج وسوق العبور.

هذه التجاوزات أرجعها المهندس عمار فوزي المتخصص في الطرق والجسور إلى الفساد الذي تفاقم بشكل واسع في الآونة الأخيرة، دون مراعاة ما يمكن أن يحدثه ذلك من كوارث مدمرة ومهدرة لحياة المئات، حسب قوله.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أنه من المفترض وجود مواصفات دقيقة وضامنة لعدم حدوث مثل هذه الأضرار، إلا أن تساهل الجهات المكلفة بإنشاء هذه الجسور والطرق، وهي الإدارة الهندسية للقوات المسلحة و"هيئة الطرق والكباري" بوزارة النقل في إسناد هذه المشاريع إلى شركات صغيرة من الباطن، وما يتضمن ذلك من فساد مالي؛ يؤدي بالضرورة إلى حدوث ذلك.

ولفت إلى أن مثل هذه التجاوزات كانت موجودة في عهد النظام السابق إلا أنها لم تكن بهذه الكثافة والعمق، مرجعا ذلك إلى التسارع الذي تنتهجه السلطات في إنهاء هذه المشاريع بهدف البحث عن حالة نجاح أمام المواطنين.

بدوره يرى رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام مصطفى خضري أن الأمر بات ظاهرة متكررة ناجمة عن حالة التخبط الممنهج التي تعيشها مصر، و"التي تم فيها إقصاء الصالحين وأصحاب الخبرات وتصدر الفاسدين أصحاب المصالح".

القاعود: هذه الظاهرة سببها هرولة الجيش نحو التحول لشركة ضخمة (الجزيرة نت)

قرارات سياسية
وتابع في حديثه للجزيرة نت أن "هناك ارتباطا شرطيا بين القرارات السياسية للنظام الحاكم وتلك الظاهرة، فهناك حالة من الإسقاط الممنهج لمصر يقوم بها النظام تمهيدا لبيع كل مقدرات مصر وثرواتها ومرافقها للمنظومة الرأسمالية العالمية".

ومضى قائلا إن "النظام الحالي فاق الأنظمة السابقة التي كانت تحتوي على قدر من الفساد قل أو كثر، أما الحالي فيسعى لإسقاط البلد".

بينما يرى الكاتب الصحفي أحمد القاعود أن هذه الظاهرة سببها هرولة الجيش بسرعة كبيرة نحو التحول لشركة ضخمة تسيطر على الطرق والمقاولات ومختلف القطاعات، كأنه مقاول فاسد يريد أن ينهب الشعب بأي طريقة قبل تركه.

وتابع في حديثه للجزيرة نت أن هذه الظاهرة مرعبة؛ ففضلا عن أنها تعرض المواطنين للموت والخطر فإنها تدمر البنية التحتية لمصر، وتترك تراكما قبيحا من الفساد الذى سيكلف إصلاحه أضعاف إنتاجه صحيحا من أول مرة.

في المقابل، أرجعت وزارة النقل -في بيان لها- هذه المخالفات والانهيارات إلى أن 40% من جسور مصر تخطت عمرها الافتراضي وفي حاجة إلى الصيانة، متجاهلة الأضرار التي ظهرت في الجسور حديثة الإنشاء.

المصدر : الجزيرة