ترتبط الغوطة الشرقية بأحياء برزة والقابون، التي تعيش هدنة مع قوات النظام عبر أربعة أنفاق، حيث حفرت منذ نحو عامين لنقل الأسلحة والمواد الغذائية والطبية، إلا أن تردي الأوضاع الإنسانية دفع المسؤولين عن تلك الأنفاق لاستخدامها ممرا إنسانيا.

سلافة جبور-دمشق

"لم تكن رحلة سهلة، شعرت بأنني قد أفقد أحد أولادي قبل أن نصل للطرف الآخر من النفق، لكنها رغم صعوبتها كانت خيارا أفضل من الحياة تحت جحيم القصف والحصار".

بهذه الكلمات تحدثت أم رامز للجزيرة نت عن مغامرة خروجها من غوطة دمشق الشرقية المحاصرة عبر أحد الأنفاق التي تربطها بأحياء برزة والقابون (شرق العاصمة دمشق)، وهي أنفاق يسيطر عليها مقاتلو المعارضة السورية.

وبعينين مغرورقتين بالدموع، قالت السيدة الثلاثينية إن إحدى السيدات فقدت منذ شهر طفلها الذي لم يتحمل نقص التهوية أثناء عبور النفق، فكان الموت في انتظاره على الطرف الآخر، وأضافت أن "القرار كان صعبا، وتطلب مني عدة أشهر قبل أن أعقد الأمر على إخراج أطفالي الأربعة من الغوطة بحثا عن حياة جديدة".

وبحسب أم رامز، يمتد النفق إلى مسافة عدة كيلومترات، ويتطلب عبوره جهدا وقدرة احتمال كبيرين؛ نظرا لطول المسافة وسوء التهوية وانخفاض السقف مما يقتضي انحناء الظهر أثناء السير.

النفق الذي شقه الثوار على مدى نحو عام لتفجير حاجز الصحابة في وادي الضيف (الجزيرة-أرشيف)

وتؤكد أم رامز أن وفاة زوجها العام الفائت، واضطرارها للاعتماد على المعونات الغذائية في المنطقة التي تحاصرها قوات النظام السوري منذ أكثر من ثلاث سنوات، كانا السببين الرئيسيين وراء توجهها لمقابلة أحد المسؤولين عن تلك الأنفاق، والتقدم بطلب للخروج من بلدتها.

حالات إنسانية
وذكرت أنها حصلت على الموافقة بعد انتظار شهرين، وهي الفترة التي استغرقها مسؤولو النفق للتأكد من صدق معلوماتها وحالتها الإنسانية المتدهورة، والآن هي تعيش في حي برزة وتبحث عن عمل لإعالة عائلتها.

وبشكل مماثل، اتخذ أبو هاني -أب لثلاثة أطفال- قراره بالخروج من مدينة عربين بالغوطة المحاصرة عن طريق الأنفاق منذ نحو عام، مدفوعا برغبته في توفير حياة أفضل لأولاده، بعيدا عن القصف والحصار.

ويقول أبو هاني في حديثه للجزيرة نت "اضطررت بسبب مرض أطفالي للخروج عن طريق أحد الأنفاق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المسلحة، فمحاولة المرور عبر الحواجز التابعة للنظام كانت ستؤدي حتما لاعتقالي دون أي سبب".

ووفق الرجل الأربعيني، يسجل المدنيون الراغبون في الخروج عبر الأنفاق أسماءهم لدى لجنة النفق الأمنية، وينتظرون دورهم الذي قد يطول بسبب الأعداد الكبيرة والتدقيق الشديد للحصول على أذونات بالمرور.

من داخل نفق "جبل الأربعين" قبيل تفجيره (الجزيرة-أرشيف)

وينوه أبو هاني إلى صعوبة وخطورة الرحلة التي كانت شاقة بسبب امتلاء النفق بمياه الصرف الصحي، بالإضافة إلى رصد قناصي القوات النظامية لمخرجه، مما يشكل خطرا مضاعفا على العائلات التي يتعين عليها السير تحت خطر القنص وصولا لأحياء برزة والقابون.

انتهاء الاضطرابات
وينتظر أبو هاني فرصة سانحة للسفر خارج البلاد، "فنحن لا نملك اليوم سوى انتظار انتهاء الحرب، ولعل السفر هو الحل الأنسب".

وبحسب أحد نشطاء حي القابون، ترتبط الغوطة الشرقية بأحياء برزة والقابون، التي تعيش هدنة مع قوات النظام من خلال أربعة أنفاق تسيطر عليها فصائل مختلفة من المعارضة المسلحة، حيث حفرتها منذ نحو عامين لنقل الأسلحة والمواد الغذائية والطبية، إلا أن تردي الأوضاع الإنسانية مع تضييق قوات النظام حصارها على الغوطة ومنعها التام إدخال أي مواد غذائية وطبية، دفع المسؤولين عن تلك الأنفاق لاستخدامها ممرا إنسانيا.

ويقدر أبو عبد الرحمن -في حديثه للجزيرة نت- خروج أكثر من سبعين ألف مدني من الغوطة المحاصرة عن طريق هذه الأنفاق خلال العام المنصرم، يشكل الأطفال والنساء السواد الأعظم منهم، إضافة إلى الحالات المرضية الحرجة، التي تتطلب علاجا غير متوافر في مشافي الغوطة ونقاطها الطبية.

ووفق الناشط الإعلامي، تشرف لجنة مختصة تابعة للفصيل المسيطر على النفق على حركة المرور فيه تبعا للاحتياجات العسكرية وكذلك الإنسانية، حيث تقيّم اللجنة أوضاع العائلات الراغبة في الخروج وتعطي الأولوية للمرضى والحالات الحرجة والعائلات الأكثر حاجة، مع عدم تفضيل هذه اللجان خروج الشباب والرجال دون سن الأربعين، تجنبا لاعتقالهم من قبل قوات النظام في حال خروجهم لمناطق سيطرته.

ولا ينفي أبو عبد الرحمن دور "الواسطة" في السماح لبعض العائلات باستخدام الأنفاق للعبور نحو الضفة الأخرى، إلا أنه يؤكد أن مسؤولي الأنفاق يبذلون ما بوسعهم لاستخدامها على النحو الأمثل على الصعيدين العسكري والإنساني.

المصدر : الجزيرة