دعاء عبد اللطيف-القاهرة

لم يجد وزير التخطيط المصري أشرف العربي حرجا إنسانيا أو وظيفيا في تصريحه الأخير بأن الدولة لا تحتاج سوى مليون موظف فقط، من أصل سبعة ملايين في الجهاز الإداري الحالي.

وتصريحات العربي غير مستغربة، فهي عبارة عن نسخة أقل صيتا مما قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الشهر الماضي، حين أكد أن احتياجات الدولة من الموظفين لا تتعدى مليون شخص فقط، وهو ما اعتبره مراقبون وقتها ردا مباشرا على رفض البرلمان لقانون الخدمة المدنية الذي يتيح فصل الموظف بناء على تقييم رؤسائه دون حكم قضائي.

كما أعلن رئيس الوزراء شريف إسماعيل قبل يومين اتخاذ إجراءات وصفها بالمؤلمة لمواجهة التدهور الاقتصادي الذي تعانيه البلاد، وبعضها يتعلق بالعمل على الحد من تفاقم فاتورة أجور الموظفين البالغة 8.2% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2015، مما دفع مراقبين إلى اعتبار التصريحات الخاصة بالموظفين تمهيدا لتسريح موظفين.

تصفية
وقد شرعت السلطات فعليا في تصفية الموظفين منذ عامين بشكل غير مباشر، وفق ما قاله موظف في وزارة النقل تحفظ على ذكر اسمه، موضحا أنه تم تسريح غالبية الموظفين المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين مع قضيتهم.

إسماعيل قال إن حكومته ستتخذ إجراءات مؤلمة ومنها خفض فاتورة الأجور (الأوروبية)

وقال الموظف للجزيرة نت إن المسؤولين دعوا إلى تجسس الموظفين على بعضهم، والإبلاغ عن معارضي النظام داخل العمل، مشيرا إلى أن راتب الموظف الذي يؤرق الدولة لا يكفي لتوفير احتياجات أسرة مكونة من خمسة أفراد لمدة أسبوعين.

وتابع الموظف أن غالبية الموظفين يعملون في مهن حرة بعد انتهاء دوامهم الصباحي ليستطيعوا سد احتياجاتهم الشهرية، مشيرا إلى أن الأسعار ارتفعت بشكل جنوني.

وتعليقا على إطلاق وسم باسم "مليون موظف فقط" في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، علق محمد أحمد جاسم ساخرا "تصفية الموظفين مطلب رئاسي.. الرئيس غاضب ويقول لكم: اتركوا وظائفكم".

وتساءل محمد عطا عن طبيعة المليون موظف الذين تحتاجهم الدولة "‏يا ترى من هؤلاء المليون يا زعيم؟.. يا ترى القضاء، وزارة الداخلية، مؤسسة عسكرية؟".

تقشف
ويعد تسريح موظفي الدولة حلقة ضمن سلسلة من الإجراءات التقشفية، ومنها رفع الدعم الذي بدأ بزيادة أسعار الوقود، وفق قول الكاتب الصحفي أحمد القاعود.

وأضاف القاعود للجزيرة نت أن السلطة مقتنعة بكون الدعم سبب الانهيار الاقتصادي، لافتا إلى تصريح السيسي الذي أكد فيه أن الدعم أخطر على مصر من الفساد.

وتابع أن النظام الفاسد ينظر فقط إلى جيوب الفقراء، في حين يترك الأثرياء يسرقون المليارات دون محاسبة.

ويرى القاعود ضرورة تقييم أداء الموظفين لرفع كفاءتهم، ولكن ذلك يتطلب أولا توفير نظام ديمقراطي يعمل لصالح الشعب لا ما سماها "العصابة الحاكمة".

القاعود: النظام الفاسد ينظر فقط غلى جيوب الفقراء ويترك الذين سرقوا المليارات (الجزيرة)

وتوقع أن يتخذ النظام خطوة تسريح الموظفين بشكل تدريجي، لكنه خفف من ردة فعل ضحايا القرار، معللا ذلك بكون غالبية الموظفين مؤيدين للسلطة، كما أنهم يدركون جيدا أن الاعتراض يعني سحقهم.

شرط
من جهة أخرى، قال المحلل الاقتصادي سرحان سليمان إن قرض صندوق النقد الدولي الذي تسعى القاهرة للحصول عليه لسد عجز الموازنة، يجبرها على خفض أجور العمالة ورفع الدعم.

وعن تداعيات تسريح الموظفين، أوضح سليمان للجزيرة نت أن الأمر لا يقتصر ضرره على ستة ملايين موظف، بل حوالي 25 مليون نسمة هم أفراد أسر الموظفين، مؤكدا خطورة القرار على الأمن الاجتماعي وارتفاع معدلات الفقر بالتوازي مع انخفاض شعبية الحكومة.

وأضاف أن أجور الموظفين البسطاء لا تشكل عبئا على الدولة، لافتا إلى أن مرتبات قطاعات القضاء والشرطة والوزراء ومستشاريهم تشكل معظم التكلفة.

ويرجح سليمان أن يكون هدف التصريحات الأخيرة إعفاء الحكومة من مطالب زيادة الأجور وتعيين مئات الآلاف من العاطلين.

أما وزير القوى العاملة والهجرة السابق كمال أبو عيطة فتساءل مستنكرا "هل هذا ذنب العاملين؟ وهل يوجد نص قانوني يحد من العاملين؟". وقال في تصريح صحفي إن مصر تضم 1.3 مليون معلم في المدارس، ولا يمكن العمل بمليون مدرس فقط، مطالبا السيسي بمراجعة خبرائه ومستشاريه.

وشدد الوزير السابق على وجوب تشغيل الشباب العاطلين لكونهم قنابل موقوتة حسب وصفه، داعيا إلى البدء بمشروعات قومية كبرى تستوعب العمالة وفقا للزيادة السكانية.

المصدر : الجزيرة