يطغى حديث التعديلات الدستورية على ما سواه في الجزائر، فبينما تستعد الأحزاب الموالية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة لتمرير التعديلات بما تملك من أغلبية كبيرة، بدأ بعض نواب المعارضة يدعون لمقاطعة جلسة التصويت احتجاجا على تلك التعديلات.

هشام موفق-الجزائر

يستعد برلمان الجزائر للمصادقة خلال أيام على تعديلات دستورية طرحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في وقت سابق، وسط عاصفة من الجدل حول مغزاها، ولا سيما تعزيز صلاحيات الرئيس.

واستدعى الرئيس بوتفليقة البرلمان بغرفتيه (مجلس الأمة، والمجلس الشعبي الوطني)، للتصويت بعد غد الأربعاء على التعديلات الدستورية، بعدما صادق المجلس الدستوري عليها.

ويشترط لتمرير التعديلات الدستورية تصويت ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان البالغ عددهم 606 نواب. ويحوز الأغلبية المطلقة حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي (اللذان يشكلان الائتلاف الحاكم)، إلى جانب ثلث أعضاء المجلس الشعبي الوطني الذين يعينهم الرئيس.

بوتفليقة تراجع عن وعوده بقصر المدة الرئاسية على ولايتين فقط (الجزيرة)

ملامح التعديل
وحصل ترسيم الأمازيغية لغة رسمية في الجزائر -إلى جانب العربية- في التعديلات الدستورية، على حصة الأسد في النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن تراجع الرئيس بوتفليقة عن وعوده بتحديد المدة الرئاسية بولاية واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، أضحى المادة الدسمة للطبقة السياسية في البلاد، وكان تعديل العام 2008 قد ألغى ما كان معمولا به منذ دستور 1996 بتحديد ولايتين فقط للرئيس، مما أتاح لبوتفليقة الترشح لولاية ثالثة ثم رابعة.

كما أبقت الوثيقة تعيين رئيس المجلس الدستوري بيد رئيس الجمهورية، وهو أيضا رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وكذلك تعيين أعضاء مجلس المحاسبة، الذي من المفترض أن يراقب ويدقق في أداء مختلف الهيئات.

ولم تمرّ قضية اشتراط الجنسية الواحدة وإثبات الإقامة في الجزائر عشر سنوات للترشح للرئاسة دون جدل، حتى داخل أحزاب السلطة نفسها، حيث رأى البعض في ذلك حرمانا لشريحة كبيرة من أبناء الوطن، في وقت دافع آخرون عنها للحفاظ على "السيادة الوطنية".

كما لم تفصل وثيقة التعديلات الدستورية في طبيعة النظام السياسي، الذي لا هو رئاسي صرف ولا برلماني بحت.

سعدي: عرض الدستور على البرلمان بهذا الشكل بمثابة هروب للأمام (الجزيرة)

استقواء بالأغلبية
الناشط السياسي ياسين سعدي، رأى أن غياب نواب مختصين في المسائل الدستورية يجعل من هذا النص عبارة عن تجسيد لإرادة رئاسية، يمرر من خلالها طرحها ونظرتها لمستقبل البلاد.

وأضاف للجزيرة نت أن عرض الدستور على برلمان بهذا الشكل هو بمثابة هروب إلى الأمام من قبل نظام فاقد للشرعية، ورسالة احتقار للمواطن الجزائري الذي سيحرم من حقه الدستوري في مناقشة وبلورة النص القانوني الذي ينظم الحياة السياسية.

أما عضو تنسيقية الانتقال الديمقراطي المعارضة محمد حديبي، فاتهم النظام بالخضوع لابتزاز جهات أجنبية فرضت عليه منطقه بتمرير دستور لن يكون من نتائجه سوى انفلات داخلي عبر الصدام مع الشعب.

وأضاف للجزيرة نت أن المواد المستحدثة في الدستور أعدت خصيصا لرئيس ما بعد بوتفليقة، وهنا يكمن الخطر.

ولم يختلف معهما كثيرا الكاتب والمحلل السياسي نجيب بلحيمر، الذي قال إن "تمرير التعديل الدستوري عن طريق برلمان غير شرعي وغير تمثيلي، يثبت أن الجماعة الحاكمة جعلت من الدستور مجرد ورقة لتبرير الاستمرار في تنفيذ المشروع الوطني الوحيد، وهو الجنازة الرئاسية".

شهاب: التعديلات شهدت تقدما ملحوظا على صعيد الفصل بين السلطات (الجزيرة)

اتهامات مغلوطة
في المقابل رفض الناطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي صديق شهاب، انتقادات المعارضة لتعديلات الدستور، مشددا على أن هذا التعديلات عرفت تقدما ملحوظا على صعيد الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وأضاف للجزيرة نت "نظامنا شبه رئاسي والصلاحيات الموجودة للرئيس ليست بجديدة، وما تقوم به المعارضة أمر إيجابي لأنها تؤدي دورها وهو معارضة السلطة، ونحن نريدها أن تبقى كذلك خدمة للديمقراطية".

من جانبه، رأى عضو المجلس الدستوري السابق عامر رخيلة، أن هذه الوثيقة كرست بالفعل صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، وجعلت من الرئاسة مؤسسة محورية في السلطة.

وأضاف للجزيرة نت "من الناحية النظرية نحن أمام وثيقة دستورية لها حجيتها وقوتها، وقرار المجلس غير قابل للتعليق من المؤسسات، لذلك يبقى النقاش حولها علميا وسياسيا".

لكن رخيلة أصر على أن تعديلات هذه الوثيقة عميقة وتمس بالتوازنات الأساسية للسلطة، لذلك تستوجب اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي لا البرلمان فقط.

المصدر : الجزيرة