ما إن وصل سباق الرئاسة في الولايات المتحدة إلى خط النهاية حتى شرعت مراكز الدراسات وأجهزة الإعلام في رصد تداعيات فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب المفاجئ، والوقوف على أسباب نجاحه وإخفاق منافسته من الحزب الديمقراطي.

فما هي الأسباب التي أدت إلى تحول "الكابوس" الذي تخيله الكثيرون إلى حقيقة؟ وكيف نال المرشح الذي لم يكن أحد يأخذه قبل عام على محمل الجد ثقة الناخبين ليصبح الرئيس الـ45 للولايات المتحدة؟

تلك هي الأسئلة التي حاول المركز العربي للأبحاث -ومقره الدوحة القطرية- الإجابة عنها في تقدير موقف تحت عنوان "دونالد ترامب رئيسا.. محاولة في تفسير الخلفية".

يقول المركز في تقريره إن ترامب تبنى -على العكس من كلينتون- خطابا استند فيه إلى توجيه "رسائل واضحة ومباشرة وإن كانت شعبوية وحادة في أغلب الأحيان"، مفادها أن السياسات الاقتصادية وسياسات الهجرة التي اتبعها الديمقراطيون لم تؤد إلى خسارة الطبقة الوسطى الأميركية البيضاء (WASP) لوظائفها فحسب، بل أخذت أيضا تهدد بسيطرة المهاجرين والملونين (الهيسبانك والسود خاصة) على مقاليد الأمور في الولايات المتحدة، في ضوء تزايد المؤشرات على تحول البيض الأميركيين إلى أقلية عددية خلال أقل من ثلاثة عقود.

وكان فوز باراك أوباما بالرئاسة عام 2008 قد أيقظ مخاوف الأميركيين البيض حيال قدرتهم على الاستمرار في حكم الولايات المتحدة.

حتى الديمقراطيات العريقة يمكن أن تتعرض لتصدعات كبرى وترتكس ممارساتها الديمقراطية إذا تركت الشقوق التي يتعرض لها النظام تتسع والفجوات تكبر بطريقة قد تؤدي إلى الانهيار

وقد تمكن ترامب -يضيف المركز العربي للأبحاث في تقديره للموقف- من تعزيز هذه المخاوف (أي أن البيض يخسرون أميركا) لتحقيق اختراقات كبيرة حتى في معاقل الحزب الديمقراطي كما حصل في ميشيغان وويسكنسن وبنسلفانيا، وهي ولايات ذات أكثرية بيضاء.

وتعد هذه الاختراقات دليلا على نجاح ترامب في استثارة المشاعر العنصرية لدى البيض، وفي استقطاب طبقة العمال والطبقة المتوسطة البيضاء التي درجت تاريخيا على التصويت للحزب الديمقراطي.

في المقابل، فشلت كلينتون في استنفار المعسكر الديمقراطي، خاصة الأقليات والنساء الذين راهنت على خروجهم والتصويت بكثافة لفائدتها.

تصويت احتجاجي
ثم إن نتائج الانتخابات أوضحت وجود حالة من الاستقطاب والانقسام الشديدين في القيم والاهتمامات والمصالح والتوجهات بين سكان المدن الكبرى من جهة وسكان الأرياف أو البلدات الصغيرة (small towns) من جهة أخرى.

كما تجلى هذا الاستقطاب والانقسام بين سكان ولايات الساحلين الشرقي والغربي الأغنى والأكثر انفتاحا على العالم من ناحية وسكان المناطق الداخلية -خاصة ما يسمى "الغرب الأوسط"- من ناحية أخرى، وبين مجتمع متحرر اجتماعيا نجح في فرض قوانين بشأن الإجهاض وزواج المثليين، ومجتمع محافظ يرفض بشدة كل هذه التوجهات من جانب ثالث.

وقد استفاد ترامب من هذا الانقسام، بحيث تمكن من حصد أصوات أكثر الولايات الواقعة بين الساحلين الشرقي والغربي.

جاء التصويت لترامب بمنزلة تصويت احتجاجي ضد ما تسمى في واشنطن مؤسسة الحكم ونخب الساحل الشرقي (واشنطن ونيويورك) التي انفصلت عن قواعدها وجمهورها، وغرقت في قضايا الفساد المالي والسياسي كما يتهمها ترامب.

خطاب ترامب بدا للنخب المثقفة بسيطا ومسطحا واستفزازيا، ولكنه كان مدروسا يخاطب مشاعر عدد كبير من بسطاء الأميركيين الذين يميلون إلى تصديق الرجل الذي حقق نجاحا في القطاع الخاص

وتجلى هذا الاحتجاج أول ما تجلى في بيرني ساندرز مرشح الحزب الديمقراطي الذي خسر الترشيح، وبات مؤكدا أن جزءا من أنصاره يرفضون التصويت لكلينتون في إجراء احتجاجي على خسارة مرشحهم الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي، ولأن كلينتون تمثل ما يحتجون ضده.

وهكذا، فقد خسرت كلينتون قسما من أصوات هؤلاء الذين إما عزفوا عن التصويت وإما صوتوا بورقة بيضاء، في حين تمكن ترامب في حالات أخرى من استقطاب شرائح منهم بعد أن أقنعهم -وأكثرهم من الفئات الشعبية والعمالية- بقدرته على تمثيل مصالحهم.  

خطاب ترامب
من جهة ثانية، بدا أن هناك حالة من الملل والتعب من نحو ربع قرن من سياسات آل كلينتون ووجودهم تحت الأضواء (في البيت الأبيض بين 1992 و1998، ثم خدمة هيلاري كلينتون بصفة سيناتورة عن ولاية نيويورك من 2000 إلى 2008، ثم وزيرة خارجية في عهد أوباما، ثم مرشحة رئاسية أخيرا).

هذا فضلا عن وجود اعتقاد واسع بأن آل كلينتون جنوا ثروات طائلة ويتصفون بعدم الصدقية واللامسوؤلية، خاصة في ظل تحقيقات بتهم وجهت إلى هيلاري كلينتون، منها استخدام بريدها الشخصي غير المحمي لمراسلات سرية عندما كانت وزيرة للخارجية، وتحميلها مسؤولية الإهمال في قضية مقتل السفير الأميركي في بنغازي في سبتمبر/أيلول 2012، وغير ذلك من قضايا جاء الكشف عن بعضها قبل أيام فقط من بدء عملية الاقتراع.

ويمضي المركز العربي في تقريره إلى أن خطاب ترامب بدا للنخب المثقفة بسيطا ومسطحا واستفزازيا، ولكنه كان مدروسا يخاطب مشاعر عدد كبير من بسطاء الأميركيين الذين يميلون إلى تصديق الرجل الذي حقق نجاحا في القطاع الخاص (تجسيد الحلم الأميركي)، ويشككون في السياسيين المحترفين، ويميلون إلى الخطاب المباشر الذي يبدو لهم -لسبب ما- غير منافق. ويؤمن كثيرون منهم بما يقوله ترامب عن المرأة والأجانب ولكنهم لا يصرحون به، ووجدوا فيه من ينطق بلسان حالهم.

وخلص المركز في تقريره إلى أنه حتى الديمقراطيات العريقة يمكن أن تتعرض لتصدعات كبرى وترتكس ممارساتها الديمقراطية إذا تركت الشقوق التي يتعرض لها النظام تتسع والفجوات تكبر بطريقة قد تؤدي إلى الانهيار.  

المصدر : الجزيرة