بعد ارتكاب نظام بشار الأسد مجزرة الغوطة بالسلاح الكيميائي خضعت الترسانة الكيميائية لحملة تدمير من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لكن المعارضة تؤكد حتى اليوم أن النظام ما زال يستخدم هذه الأسلحة بشكل متواصل لقصف المدنيين.

أحمد دعدوش-الجزيرة نت 

استيقظ سكان بلدات عدة في الغوطتين الشرقية والغربية الملاصقتين لدمشق فجر 21 أغسطس/آب 2013 على واحدة من أكثر مجازر الأسلحة الكيميائية حصدا لأرواح المدنيين في العصر الحديث، حيث قضى أكثر من ألف و450 شخصا، وفقا للمعارضة.

وأشارت أدلة حصلت عليها الجزيرة وشهادات مدنيين وتحقيقات حقوقيين إلى تورط النظام فيها، لكن تهديدات واشنطن للنظام آنذاك لم تنفذ، حيث تمت تسوية الأمر بـ"إعدام" السلاح والتجاوز عن القاتل، كما يقول معارضون. والملفت أن الهجوم وقع بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة مفتشين دوليين إلى دمشق للتحقيق في اتهامات باستخدام النظام السلاح الكيميائي ضد المدنيين.

تفاوتت تقديرات عدد ضحايا المجزرة، فقد ذكرت مصادر في المعارضة أنه تجاوز ألفا و450 قتيلا، وهو أقرب للرقم الذي نسب لتقرير للمخابرات الأميركية، في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان سقوط ألف و127 قتيلا، 201 منهم من السيدات و107 من الأطفال، في حين اكتفت منظمة أطباء بلا حدود بإحصاء 355 قتيلا من بين قرابة ثلاثة آلاف وستمئة حالة نقلت إلى المستشفيات.

video

 مواقف دولية
في اليوم التالي على المجزرة، عقد مجلس الأمن جلسة طارئة وأصدر بيانا أيّد فيه دعوة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون لإجراء تحقيق محايد عبر خبراء الأمم المتحدة الموجودين آنذاك في سوريا. لكن روسيا -حليفة النظام السوري- وصفت ما جرى بأنه "استفزاز".

وصرح البيت الأبيض بأنه طلب "رسميا من الأمم المتحدة القيام بتحقيق عاجل"، كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق فوري والسماح لمحققي الأمم المتحدة بالوصول إلى الغوطة، وهو مطلب كررته أيضا جامعة الدول العربية، بينما دعا مجلس التعاون الخليجي مجلس الأمن لاتخاذ قرار رادع ضد النظام وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وبدوره، قال رئيس فريق محققي الأمم المتحدة السويدي أكي سيلستروم إنهم "يتشاورون" مع النظام السوري للتحقيق في الأمر، وإنهم "يتابعون الأمر بحذر"، لكنه لم يشر إلى احتمال انتقاله السريع إلى مكان المجزرة، معتبرا أنه يجب أولا التحقق من أنباء الهجوم نفسها لأنه لم ير سوى لقطات تلفزيونية ولأن ضخامة عدد القتلى "تثير الريبة".

بناء على ذلك، قال رئيس هيئة أركان الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس للجزيرة إن المجتمع الدولي متواطئ بسكوته عن "مجازر النظام السوري"، محملا الأمين الأممي بان كي مون والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن المسؤولية عن المجزرة، ومعتبرا أن النظام أراد استغلال زيارة الوفد الأممي لسوريا ليتّهم المعارضة باستخدام السلاح الكيميائي.

مئات الأطفال قضوا نتيجة القصف بغاز السارين (الجزيرة)

تحقيق الجزيرة
في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عثر فريق الجزيرة الاستقصائي على صاروخين في منزلين منفصلين ببلدة زملكا حيث وقعت المجزرة، وتبين أن الصاروخين من عيار ٣٣٠ ملم وبما يتوافق مع ما ورد في تقرير لجنة الأمم المتحدة التي زارت المنطقة، والتي أوضحت وجود موقع إطلاق آخر للصواريخ لم تكن حددته المنظمات الحقوقية سابقا.

وتحقق الفريق بالتعاون مع خبراء من أن شظايا الرأس الحربي المعدل تشبه تلك المذكورة في تقرير الأمم المتحدة، وأن المحرك الدافع تشابه مع شكل معدل لصواريخ الكاتيوشا التي تستطيع الوصول إلى مسافة تتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات.

لذا ترجح أن يكون مركز إطلاق الصواريخ في المحيط الشمالي الشرقي لجبل قاسيون الذي توجد فيه قوات من الحرس الجمهوري والوحدات الخاصة التابعة للنظام ومركز البحوث العلمية المشهور بتصنيع الأسلحة الكيميائية.

ويبعد المكان الذي حددته الجزيرة نحو ثمانية كيلومترات عن الموقع الذي أشار إليه بشكل غير مباشر تقرير الأمم المتحدة وحددته منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش، وقد رأى المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش كينيث روث أن نتائج تحقيق الجزيرة تقلل من احتمال أن يكون الهجوم نتيجة عملية اختراق في الجيش نفذها ضابط برتبة صغيرة.

وأضاف أن الهجوم تم باستخدام كميات كبيرة من غاز السارين التي لا يمكن لقوات المعارضة أن تستولي عليها، مشيرا إلى أن "شكل الصاروخ المستخدم فريد، ولم نره خارج سوريا"، وأن صورا سابقة أكدت وجود تلك الأنواع في حوزة جيش النظام، مما يزيد من الأدلة على تورطه في المجزرة. 

أوباما هدد الأسد قبل عام بالضبط بأن استخدام السلاح الكيميائي سيكون خطا أحمر (غيتي)

تهديدات وتراجع
ما زال توقيت تلك المجزرة يثير دهشة المحللين، فقد جاءت بعد ثلاثة أيام من وصول مفتشي الأمم المتحدة إلى دمشق للتحقيق في مجازر مشابهة، كما أنها جاءت بعد سنة بالضبط من تهديد الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئيس السوري بشار الأسد بأن استخدام السلاح الكيميائي سيكون "خطا أحمر".

وكان أوباما قد صرح يوم 20 أغسطس/آب 2012 بأنه لم يعط "حتى الآن أمرا بالتدخل عسكريا" في سوريا، مضيفا "لكن إذا بدأنا نرى نقلا أو استخداما لكميات من الأسلحة الكيميائية فهذا خط أحمر بالنسبة لنا، فهذا سيغير أي حسابات".

وبعد وقوع المجزرة، تحركت إدارة أوباما دبلوماسيا لتنفيذ التهديدات التي أطلقها الرئيس قبل سنة. وفي أوائل سبتمبر/أيلول 2013 وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي على قرار باستخدام القوة العسكرية ضد الأسد بأغلبية عشرة أصوات مقابل سبعة، ودقت طبول الحرب مع إعلان وزير الخارجية جون كيري أن عشر دول على الأقل ستشارك الولايات المتحدة في الضربة العسكرية.

لكن تلك الطبول سرعان ما هدأت، فقبل نهاية الشهر نفسه أعلنت موسكو أن وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم سيزور روسيا في اليوم الأخير لاجتماع قادة مجموعة العشرين بمدينة سان بطرسبرغ، ثم أعلن كيري أنه يشترط لتفادي الضربة العسكرية أن يسلم الأسد كل ما لديه من أسلحة كيميائية خلال أسبوع، ليتبع ذلك التصريح بساعات إعلان موسكو أنها اقترحت على الأسد إخضاع ترسانته الكيميائية لرقابة دولية مقابل عدم توجيه ضربة عسكرية.

وسرعان ما أعلن النظام في دمشق ترحيبه بالاقتراح الروسي، ثم تبعه ترحيب من أوباما وبقية العواصم الغربية، لينتهي بذلك التهديد بالحرب.

وقد خضعت الترسانة الكيميائية لحملة تدمير من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لكن المعارضة تؤكد حتى اليوم أن النظام ما زال يستخدم هذه الأسلحة بشكل متواصل لقصف المدنيين.

المصدر : الجزيرة + وكالات