الاختلاف في الرأي هو ديدن عالم السياسة، إلا أن اختلاف وجهات النظر بين الفصائل الكردية في تركيا يتخذ أبعادا أخرى، لأنه يرتبط بحركات انفصالية تسعى لإقامة دولة، وتتهم أي طرف لا يؤيد وجهة نظرها بالعمالة والارتهان للحكومة.

كمال شيخو-جزيرة ابن عمر

لايزال التوتر سيد الموقف في شوارع مدينة جزيرة ابن عمر (بوتان) التابعة لولاية شرناق -أقصى شرق جنوب تركيا- بعد القتال الذي نشب بين شبيبة "حزب العمال الكردستاني" من جهة وأنصار "حزب الدعوة الحرة" من جهة ثانية، الأسبوع الماضي.

وكان القتال قد نشب بعد وصول جثامين أربعة مقاتلين تابعين لـ "العمال" من أبناء المدينة، قتلوا في اشتباكات جرت ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" قرب مدينة سنجار بالعراق. وتوجهت مظاهرة نظمتها شبيبة حزب "العمال" نحو (حي نور) بالمدينة الذي تسكنه غالبية من أعضاء ومؤيدي حزب "الدعوة" المتهم بتأييده أو تعاطفه مع الحركات الإسلامية "المتشددة" مثل تنظيم الدولة الإسلامية.

ليس من الغريب سماع أصوات الرصاص بالمدينة بين الحين والآخر، والتوتر لطالما خيم عليها، والسواتر الترابية والحواجز المكونة من أكياس رمل أو حجارة في الشوارع خير شاهد ودليل. ولكن رغم ذلك لم تفرض السلطات حالة الطوارئ، إلا أن الأهالي دأبوا على التزام منازلهم بعد الساعة الثامنة مساءً وقلما تشاهد حركة سيارات وسط المدينة ليلا.

آمرت رأت أن الأطفال ضحايا الخلاف المستمر بين الفصائل الكردية (الجزيرة)

الأطفال الضحية
وتؤكد رئيسة بلدية المدينة ليلى آمرت أن البلدية تقوم على إزالة الأتربة والحواجز والأحجار المنتشرة في الشوارع خلال الآونة الأخيرة، وقالت "نحاول جاهدين تقديم كافة الخدمات وتسيير شؤون الأهالي رغم الظروف التي نمر بها".

وأشارت إلى أن التوتر والمواجهات تحدث في مدينتها منذ تسعينيات القرن الماضي، وأن "الأهالي اعتادوا سماع الاشتباكات وأصوات الرصاص، بين أنصار حزب العمال الكردستاني والنظام التركي تارة، وبين أنصار حزب الله السلفي وحزب العمال تارة ثانية".

وتعتقد آمرت أن ضحية هذا الوضع المتوتر هم أطفال المدينة، وعبرت عن حزنها العميق قائلة "أعلم تماماً أنهم يسمعون يومياً أصوات الرصاص وأشعر بالحزن، لأن من حقهم اللعب عند أبواب بيوتهم، وأن يخرجوا إلى الحديقة والملعب كي يهنأوا بطفولتهم ويلعبوا كما يشاؤون".

ويتهم المسؤولون الأكراد النظام التركي بافتعال هذه الحوادث من أجل شق الصف الكردي، في تركيا، التي تشهد توترا منذ عقود مع حزب العمال، وتخوض معه نزاعا مسلحا منذ ثمانينيات القرن الماضي، نتج عنه عشرات الآلاف من القتلى من الطرفين. يُذكر أن أكراد تركيا مثلهم مثل أكراد سوريا والعراق وإيران يريدون ويؤيدون إقامة دولة كردية بالمنطقة.  

ويرى قادر جيجك (مسؤول محلي في بلدية الجزيرة وأحد وجهاء المدينة) أن من الخطأ حصر الحادثة بالخلاف الكردي الكردي.

وقال "من يريد أن يفسر الموضوع على هذا السياق فهي وجهة نظره، ولكن أجزم أن النظام التركي يدعم هذه الحركات الأصولية، ويتعمد خلق الحساسية وإذكاء نار الفتنة بيننا". ووصف ما يحدث في بلدته بأنها "لعبة مكشوفة" وأنهم سيقفون في وجه أي مخطط يعكر صفو عيشهم، واتهم السلطات التركية بزج عملائها لإشغال الأكراد عن قضيتهم المركزية بالوحدة والحرية.

وقد تضاربت الروايات حول أسباب التوتر الأخير، ويقول المقربون من "حزب الدعوة" إن وصول جثث أربعة مقاتلين من "حزب العمال" أشعل شارعهم ودفع أنصارهم لمهاجمة منازل عائلات مقربة من "حزب الدعوة"، وأضرموا النار في العديد منها وأجبروا سكانها على الرحيل. وردّ المقربون من حزب العمال باتهام الطرف الآخر باستفزازهم عبر الدخول إلى مناطق نفوذهم والاعتداء على عناصرهم والاستهزاء بقتلاهم.

السواتر والحواجز الترابية تنتشر في أرجاء المدينة المتوترة (الجزيرة)

الصف الكردي
ويروي أحد أنصار "حزب الدعوة" (عبد العزيز) قصة مقتل والده عبد الله دنيز (67 سنة) ويقول إن والده رفض أن يخرج أحد منّا لمعرفة قصة إطلاق الرصاص الذي سمع حوالي الساعة الثالثة ليلاً من السبت الماضي، إلا أن البقاء داخل المنزل ليلا لم يمنع مقتل دنيز حيث باغته قناص برصاصة أردته قتيلا عندما خرج من منزله في الثامنة صباحا.

وقد عبر عبد العزيز عن غضبه من حزب العمال قائلا إن "هؤلاء يرفضوننا لأننا لا نؤيد أفكارهم وعقيدتهم، نحن مسلمون على سنة نبي الله محمد (صلى الله عليه وسلم) وجميع إخوتي قرأوا القرآن، ونحن متمسكون بديننا وشريعتنا". وأضاف "والدي كان رجلاً مسناً ولم يعتد على أحد، هم من اعتدوا علينا".

أما ياسين أوزر فهو أحد ضحايا الاشتباكات بالمدينة، وكان من شبيبة "حزب العمال" وعمره عشرون سنة. رفض والده توجيه أصابع الاتهام إلى أنصار "حزب الدعوة" واتهم الحكومة التركية ووصفها بأنها المجرم الحقيقي، بينما وصف حزب الدعوة بأنهم ليسوا سوى "عبد مأمور".

وقد نفى "حزب الدعوة الحرة" في بلدة جزيرة ابن عمر (على لسان رئيسه أحمد ألتشين) وجود أية علاقات رسمية مع حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، كما أكد أيضاً عدم وجود أي صلة مع جماعة فتح الله غولن التي دخلت في خصام سياسي مع الحكومة بالفترة الأخيرة.

وعن موقفهم من تنظيم الدولة الإسلامية، أوضح قائلاً "لا نؤيد تنظيم الدولة الإسلامية، ومن يدعون أننا موالون لهم، جعلوا منها شماعة لمحاربتنا واضطهادنا وإضفاء شرعية على معركتهم" وشدد على أنهم حزب إسلامي.

وكشف ألتشين أن هذه الحادثة لم تكن الأولى بين الطرفين، وأنه قبل شهرين ونصف شهر أقدم حزب العمال بمدينة ديار بكر على قتل تسعة من أعضاء حزبه وأربعة مناصرين.

خلاف في الرأي
ولم يستبعد زعيم حزب الدعوة تجدد حالات كهذه، سواء في بلدتهم أو مناطق أخرى من تركيا، وقال "حزب العمال الكردستاني يرفض كل من يخالفهم الرأي، وفي حال خالفتهم يهددونك إما بالرحيل الإجباري أو القتل، ونحن لا نقبل هذا الظلم".

وأعرب بوداك عن استغرابه من تلك التهمة، وقال "جميعنا يعلم أن جذورنا كانت الديانة الزردشتية، ولكن حالياً نعتنق الدين الإسلامي، وجميع سكان البلدة على المذهب الشافعي، وتوجد الجوامع في معظم شوارع المدينة".

وعن الانقسام داخل الصف الكردي، قال إن "تنظيم الدولة ارتكب جرائم بحقنا، ويشن الحرب على مدننا كردية شنكال وكوباني ومخمور، ولكن يجب ألا ننسى فضله علينا في خلق وحدة الصف الكردي حيث المقاتلون الأكراد من البشمركة يقاتلون جنباً إلى جنب في تلك الجبهات".

يُذكر أن جزيرة ابن عمر منطقة يسكنها الأكراد والآشوريون والعرب، وكانت جزءا من الدولتين الأموية والعباسية، وينسب إليها أهلها بصفة "الجزري" ومن الشخصيات التاريخية التي انحدرت من تلك المنطقة ابن الأثير الجزري والمخترع الجزري.

المصدر : الجزيرة