يشكو الجنوب التونسي حالة "التهميش"، ويجمع نفر غير قليل هناك على أن تلك الحالة ليست جديدة بل تمتد من أيام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة مرورا بخلفه المخلوع زين العابدين بن علي، وصولا إلى الوقت الراهن، فالأسباب متعددة والنتيجة واحدة.

هشام عبد القادر- قابس، جنوب تونس

تعاني مدن الجنوب التونسي من تهميش واضح مقارنة بمدن الوسط والساحل، علما بأن فيها كميات من النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى. فما أسباب هذا التهميش، هل هو عقاب سياسي أم له أسباب أخرى؟
 
يقول ناصف ناجح نائب رئيس بلدية مدينة الحامة في جنوب شرق تونس، للجزيرة نت، "إن تهميش مناطق الجنوب ليس جديدا، فقد عانت منه منذ عهد الحبيب بورقيبة، حيث حسبت سياسيا بالولاء للمناضل في الحركة الوطنية صالح بن يوسف الخصم السياسي لبورقيبة، الذي اعترف الأخير باغتياله في ألمانيا".
 
ناجح تحدث عن تواصل التهميش (الجزيرة)
جذور
ويضيف "تواصل التهميش لمناطق الجنوب في عهد المخلوع زين العابدين بن علي، حيث حسبت من المناطق المؤيدة للإسلاميين فنالت أشد العقاب من التهميش وغياب التنمية رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية حباها بها الله".

بدوره يقول محمد جابر -وهو معلم لغة عربية من مدينة الحامة- إن مدن الجنوب "ظلت مهمشة طيلة عقود منذ ما يسمى بالاستقلال وحتى يومنا الحاضر، ولم تتركز فيها مشاريع تنموية جدية وتشكو من بطالة شبابها". وعزا ذلك إلى "مواقف أبنائها النضالية والكفاحية ضد الاستبداد في عهد بورقيبة وبن علي".

من جهته، يقول المحلل السياسي نور الدين المباركي إن جنوب تونس "تاريخيا لم ينل حظه في التنمية رغم الدور الكبير الذي قام به أبناؤه في مقاومة الاستعمار والحركة الوطنية".

وحول أسباب ذلك، قال "في عهد بورقيبة كان التعاطف مع صالح بن يوسف أساسا في مدن الجنوب التونسي، إلى جانب أن المحاولة الانقلابية الأولى التي قادها صالح الرايكي كان جزء من قياداتها من الجنوب، أما في عهد بن علي فقد بقي الجنوب مهمشا ولم ينل حظه من التنمية".

المباركي: الوضع بعد الثورة ظل كما هو  (الجزيرة)

إهمال
وأوضح المباركي أن قضايا التنمية في عهد بن علي" لم تهتم بالجهات الداخلية عموما والجنوب خاصة، ولم تكن هناك إرادة لبعث مشاريع تنموية حقيقية للمواطن الجنوبي.

كما أشار إلى ظاهرة التهريب باعتبارها أحد أسباب ومظاهر التهميش، قائلا "موضوع التهريب مرتبط بأجهزة المخابرات والأمن، وكان بن علي يستفيد من هؤلاء المهربين -وخاصة الرؤوس الكبيرة- مما أخر كثيرا قضايا التنمية وبقي الجنوب مهمشا".

وأضاف "بعد الثورة بقي الوضع كما هو باعتبار أن كافة الحكومات التي تعاقبت على الحكم لم تول التنمية الاقتصادية أهمية كبرى، كما مرت الحدود التونسية الليبية بمحطات أثرت سلبا حتى على مشاريع تم إقرارها في الجنوب".

أما النائب عن دائرة ولاية مدنين سالم الأبيض، فقال "من الناحية التنموية لا يمكن أن نعتبر أن الجنوب هو الأكثر تهميشا، وذلك بسبب وجود مناطق في الشمال والشمال الغربي وربما حتى في محيط العاصمة تونس هي أكثر تهميشا من مناطق أخرى في الجنوب".

الأبيض: التهميش ليس في الجنوب فقط (الجزيرة)

هوة
وأضاف "على هذه الأرضية يمكن أن نعتبر أن التهميش بما يحيل إليه من تفقير وعدم وجود مشاريع تنموية حقيقي هو سمات مشتركة في كثير من المناطق التونسية التي لم تكن في غالبيتها محظوظة وتنامت فيها البطالة".

وتابع "بعض المؤرخين يفسرون ذلك بالصراع السياسي العميق بين شقي الحركة الوطنية التونسية عند نشأة الدولة، وهي الشق البورقيبي المنتصر والشق اليوسفي نسبة لصالح بن يوسف المنهزم، ويكاد علماء الاجتماع والسياسة يربطون بين ظاهرة التهميش والولاء للشق اليوسفي، وقد استمرت هذه الوضعية عشرات السنين حتى بعد الفترة البورقيبية".

واختتم بالقول إن الهوة ما زالت قائمة بين مناطق التهميش التاريخي التي كانت سباقة في الانتفاضة ضد نظام بن علي والمناطق الممتدة على طول الشريط الساحلي، بما في ذلك تونس العاصمة التي تعتبر أكثر حظوة في المجال الذي يستخدم في التسويق الإعلامي والسياحي. وأبرز ما تجلت فيه الهوة السحيقة هو حجم البطالة المرتفع للغاية في المناطق المهمشة تاريخيا.

المصدر : الجزيرة